مقالات

علاء عبدالله يكتب: “دولة المسلمين بين الحق والباطل”.. قراءة في دعوة لإعادة الفصل بين قدسية الدين وصراعات السياسة

يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، في مقاله “دولة المسلمين بين الحق والباطل” رؤية فكرية تستند إلى قراءة قرآنية للعلاقة بين الدين والدولة، محاولًا إعادة طرح سؤال قديم يتجدد مع كل مرحلة تاريخية: هل جاءت الرسالات السماوية لتأسيس أنظمة حكم تحمل صبغة دينية، أم أنها جاءت لبناء الإنسان وإرساء منظومة أخلاقية تحكم سلوكه وعلاقته بربه وبالمجتمع؟.

ينطلق الشرفاء من فكرة محورية مفادها أن جميع الرسل، منذ سيدنا نوح وحتى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، حملوا رسالة واحدة هدفها هداية الإنسان وترسيخ قيم العدل والرحمة والصدق والأمانة، مؤكدًا أن القرآن الكريم خاطب الإنسان باعتباره اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وأن إصلاح الفرد هو الطريق الطبيعي لإقامة مجتمع مستقر تسوده الأخلاق والتعاون والسلام.

ويرى الشرفاء أن بناء الدولة العادلة لا يتحقق برفع الشعارات الدينية، وإنما بإقامة منظومة للحكم تقوم على النزاهة والعدل وتحمل المسؤولية، مستشهدًا بعدد من الآيات القرآنية التي تؤكد أهمية الشورى والرحمة والعدل في إدارة شؤون الناس، ومن هذا المنطلق يعتبر أن القيادة الناجحة هي التي تجعل خدمة المجتمع وتحقيق مصالح المواطنين هدفها الأول، بعيدًا عن استغلال الدين لتحقيق مكاسب سياسية أو حزبية.

ويخصص الكاتب جزءًا كبيرًا من مقاله لمناقشة قضية توظيف الإسلام في المجال السياسي، معتبرًا أن استخدام الدين كشعار للوصول إلى السلطة أو لتبرير الممارسات السياسية يمثل انحرافًا عن المقاصد الحقيقية للرسالة الإسلامية، ويؤكد أن الإسلام – من وجهة نظره – دين عالمي يخاطب الإنسان في كل زمان ومكان، ولا يرتبط بشكل معين من أشكال الحكم أو بمسمى سياسي محدد سواء كان خلافة أو جمهورية أو ملكية.

وفي السياق نفسه، يناقش الشرفاء فكرة “الدولة الإسلامية”، معتبرًا أنها ليست مصطلحًا ورد في القرآن الكريم بوصفه نموذجًا ملزمًا للحكم، وأن معيار نجاح أي دولة لا يرتبط باسمها وإنما بمدى التزامها بقيم العدالة وصون الحقوق واحترام الإنسان، كما يرفض توظيف اسم الإسلام في المؤسسات أو الكيانات الاقتصادية لتحقيق أهداف تجارية، معتبرًا أن قدسية الدين ينبغي أن تظل بعيدة عن المصالح الدنيوية.

ويستند الكاتب إلى شواهد تاريخية عديدة لتدعيم رؤيته، متوقفًا عند الصراعات التي شهدتها بعض الدول الإسلامية في عصور مختلفة وعلى رأسها الخلافات بين الدولتين الأموية والعباسية، ليؤكد أن رفع شعار الخلافة أو الحكم باسم الدين لم يمنع اندلاع النزاعات أو سفك الدماء، وهو ما يراه دليلًا على أن المشكلة تكمن في ممارسات البشر وليس في الدين نفسه.

كما يوجه الكاتب انتقادات حادة للجماعات المتطرفة التي استخدمت الإسلام لتبرير العنف والقتل وإثارة الفوضى، مؤكدًا أن تلك التنظيمات قدمت صورة مشوهة عن الإسلام، وأن ما ارتكبته من أعمال لا يمت بصلة إلى المبادئ التي جاء بها القرآن الكريم، والتي تدعو إلى الرحمة والعدل والتسامح واحترام النفس الإنسانية، ويرى أن استغلال الشعارات الدينية في النزاعات المسلحة ساهم في إلحاق أضرار كبيرة بصورة الإسلام والمسلمين على المستوى العالمي.

ومن القضايا التي يتوقف عندها المقال أيضًا العلاقة المباشرة بين الإنسان وربه، إذ يؤكد الشرفاء أن الإسلام لا يعرف الوساطة بين العبد وخالقه، وأن مسؤولية الإيمان والعبادة تقع على الفرد وحده، مستشهدًا بآيات قرآنية تؤكد قرب الله من عباده واستجابته لمن يدعوه بإخلاص مع الالتزام بمنهجه، ومن هنا يدعو إلى جعل القرآن الكريم المرجعية الأساسية لفهم الدين والابتعاد عن كل ما يراه إضافات أو تأويلات أسهمت في زيادة الانقسام بين المسلمين عبر التاريخ.

ويتناول المقال كذلك قضية الروايات والموروثات الدينية التي يرى الكاتب أنها تحتاج إلى مراجعة في ضوء القرآن الكريم، معتبرًا أن كثيرًا من الخلافات الفكرية والمذهبية نشأت بسبب الاعتماد على اجتهادات وروايات متباينة، بينما يظل القرآن – بحسب رؤيته – المرجعية التي ينبغي الاحتكام إليها في فهم مبادئ الإسلام وقيمه الأساسية.

وفي ختام مقاله، يوجه علي محمد الشرفاء الحمادي دعوة صريحة إلى إعادة الاعتبار لجوهر الرسالة الإسلامية بوصفها رسالة أخلاقية وإنسانية تهدف إلى بناء الإنسان قبل بناء الدولة، وإلى ترسيخ قيم العدل والرحمة والتعاون والسلام بين الناس، كما يؤكد أن نهضة المجتمعات لا تتحقق بالشعارات أو المسميات، وإنما بالالتزام الحقيقي بالمبادئ التي دعا إليها القرآن الكريم، وفي مقدمتها احترام الإنسان، إقامة العدل، نبذ العنف، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية أو السياسية.

ويقدم المقال، في مجمله، رؤية فكرية تدعو إلى الفصل بين قدسية الدين وممارسات السياسة، مع التأكيد على أن قوة المجتمعات واستقرارها يرتبطان بمدى التزامها بالقيم الأخلاقية والإنسانية التي جاءت بها الرسالات السماوية، بعيدًا عن استغلال الدين في الصراعات أو توظيفه لخدمة أهداف دنيوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);