أخبار

بطولات أبناء سيناء فى العدوان الثلاثي وثورة 1952  ..” أوراق من دفتر الوطن”

( 1952- 1973 ) عبدالناصر والثورة والعدوان الثلاثي

 

حاتم عبد الهادى السيد

سبقت ثورة 23 يوليو بطولات أدهشت العالم بدحر جيوش دول كبري مثل امريكا وبريكانيا وفرنسا؛ وفشلها في توجيه ضربة عسكرية لمصر عقب تاميم الرئيس البطل / جمال عبدالناصر لقناة السويس ؛ ولان سيناء أرض المعارك؛ وبوابة مصر الشرقية ؛ لقد استمرت الجيوش الطامعة تأتى إلى مصر عبر سيناء فى العصر الحديث، كما شهدت مسيرة جيوش دول المحور والحلفاء فى الحربين العالميتين: الأولى والثانية، كما شهدت سيناء أربع حروب فى الصراع العربى الإسرائيلى (1948- 1956- 1967- 1973) وكان لأبنائها الدور الرائع فى مناهضتهم للصهاينة، وتقديم العون والمشورة للقوات المسلحة المصرية.

هذا ولا يمكننا الحديث عن دور سيناء فى عدوان 1956 دون التعرض للأسباب التى أدت إلى هذه الحرب والتى أزعم- بأنها غيرت وجه مصر السياسى والحضارى والقومى، إذ خرجت مصر بعد انتصارها على انجلترا وفرنسا وأمريكا واسرائيل مرفوعة الرأس وتصدرت زعامة الأمة العربية، فكانت لها الأدوار الرائدة للمنطقة العربية والإسلامية، بل وللمنطقة الإفريقية أيضًا.

هذا ولم يكن عدوان 1956م بسبب تأميم قناة السويس فحسب، بل كانت الخطة الاستعمارية تكاد تكون معدة بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل منذ عام 1948م، وكان الغرض من ذلك كسر شوكة الاتحاد السوفيتى والمد الشيوعى فى منطقة الشرق الأوسط، كما كانت للولايات المتحدة- فى بداية الأمر- اليد الطولى فى ذلك بقيادة الرئيس الأمريكى (روزفلت) بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وخروج أمريكا من الحرب باعتبارها القوة الاقتصادية الأكبر فى العالم، والقوة العظمى الذى تسيطر على كلتا جهتى المحيطين: الأطلنطى والهادى وفى هذا يقول (رونالد ستيل) فى كتابه (السلام الأمريكى): إن الحرب العالمية الثانية أنهت عهودا طويلة للانعزالية الأمريكية وذلك بالمزاوجة بين المثالية الأمريكية، والقدرة العسكرية المسلحة، كما أن الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتى قد عظمت الطموحات العالمية لأمريكا من الخوف من جاذبية الشيوعية وانتشارها، وهذا ما جعل أمريكا تمارس ضغوطًا عالمية فى مختلف أنحاء العالم، وبوسائل لا تتفق مع أسباب تدخلها أحيانًا أخرى، لهذا اقترح الرئيس (ترومان) الفكرة القائلة: (إن أفضل طريقة لاحتواء الاتحاد السوفيتى تتمثل فى تقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية للبلدان النامية التى لا يخشى عليها من الوقوع فى الفلك السوفيتى وذلك فى الوقت الذى أسست فيه أمريكا خطة (مارشال) لتزويد أوروبا لأكثر من 12 مليار دولار فى شكل قروض ومنح بين عامى (1948- 1951م) ولعل الأمر الذى بات يقلق الولايات المتحدة والغرب واسرائيل هو حصول مصر عام 1948م على السلاح من الاتحاد السوفيتى، وبذلك أصبح موقف الغرب مهددًا بامتداد النفوذ الشيوعى إلى منطقة الشرق الأوسط، لذا بدأت مرحلة جديدة فى الغرب للضغط على مصر، وتدافعت الدول الغربية للضغط وكانت الولايات المتحدة تؤمن بالضغط الاقتصادى، بينما كانت الدول الأوروبية تفكر بسياسة الأساطيل الحربية، لذا أصدرت هذه الدول التصريح المعروف (بالتصريح الثلاثى) والذى يمنع إرسال السلاح إلى منطقة الشرق الأوسط، كما أعطت إنجلترا وفرنسا الضوء الأخضر لإسرائيل لغزو غزة عام 1955.

تأميم قناة السويس :

هذا ولقد أعلن الرئيس (جمال عبد الناصر) تأميم قناة السويس عام 1956م على أثر رفض الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تمويل مشروع (السد العالى) وبهذا الإعلان كانت كل عناصر الاتفاق على العدوان متوفرة بين كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، كما أعدت فى الأشهر الثلاثة اللاحقة للتأميم الخطة العسكرية للعدوان الثلاثى، فبدأت إسرائيل بغزو سيناء، وتم ذلك أثناء انشغال الولايات المتحدة بانتخابات الرئاسة الأمريكية من جهة وكان الاتحاد السوفيتى منهمكًا فى إخماد ثورة المجر من جهة أخرى وفى الليلة ما بين 29- 30 أكتوبر هجم الجيش الإسرائيلى على سيناء، وبعد الهجوم ببضع ساعات وجهت إنجلترا وفرنسا إنذارًا هو فى حد ذاته مثالا للخديعة والغدر – متفق عليه مسبقا- ففى اللحظة التى بدأ بمقتضاها الهجوم الإسرائيلى يرسل جنود المظلات وراء الخطوط المصرية فى (متلا والنقب والكنتلا والقسيمة) كان الطيران الفرنسى قد مد مظلة الحماية الجوية على إسرائيل، وكان مشتركًا فى عملية التموين والهجوم الأرضى على سيناء.

ولم يكتف العدوان بذلك ؛ بذلك بل شرعت قوة من البحرية الفرنسية بضرب استحكامات رفح قبل أن يبدأ الهجوم الإسرائيلى، ولا شك أن تلك العمليات كانت معدة من قبل الزيارة التى قام بها (بن جوريون) والساسة الإنجليز والفرنسيون فى مدينة (سيفر) بالقرب من باريس قبيل الهجوم ببضعة أيام، وفعلا بعد إرسال الإنذار ببضع ساعات بدأ الهجوم الفرنسى والإنجليزى، وكان الإنذار يحتم على المتحاربين أن يقفوا على بعد عشرة أميال من القناة، وكأنها دعوة للصهاينة بالتقدم فى هجومهم من حدود سيناء الشرقية إلى بعد عشرة أميال من المجرى المائى لقناة السويس، ولعل دعوة القيادة المصرية لقواتها بالانسحاب من سيناء فى ذلك الوقت قد كانت حكيمة جدًا كى لا تقع القوات المصرية فى (كماشة) بين القوات الإسرائيلية من جهة والقوات الإنجليزية والفرنسية من جهة أخرى، هذا ولقد كان الاتفاق بأن تحتل فرنسا وانجلترا منطقة القناة، وأن تحتل إسرائيل سيناء خاصة بعد ضرب المطارات المصرية وبدأت الاشتباكات فى بورسعيد والإسماعيلية والسويس وسيناء وفى كل مكان على جانبى القناة، وفى هذه الأثناء تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى فى الأمر وفرض الإرادة بوجوب انسحاب المعتدين من مصر، ثم جاء الإنذار الروسى بالتدخل لوقف الاشتباكات ولو بالقوة، وبدأ الأسطول الروسى التحرك، وعندئذ قرر الرئيس الأمريكى (آيزنهاور) تجنب المجازفة مفضلا التضامن مع الاتحاد السوفيتى فى فرض إرادة مشتركة على المنطقة حتى إذا أدى الأمر إلى تحطيم إنجلترا وفرنسا.

وفى 7 نوفمبر قبلت فرنسا وإنجلترا إنهاء العمليات الحربية وتم جلاء قواتهما على الأراضى المصرية فى 22 ديسمبر 1956م هذا وما كان أمر الجلاء ليتم لولا إعلان الحكومة السوفيتية بأنها مستعدة لإرسال قوات جوية وبحرية إلى مصر لإعادة السلام هناك، وأيد هذه التصريحات بعض القوات السوفيتية فى موانئ البحر الأسود، أما الولايات المتحدة فقد وضعت قواتها على أهبة الاستعداد وقامت بإبلاغ إنجلترا وفرنسا وإسرائيل بأن التدخل السوفيتى فى نزاع الشرق الأوسط لن يكون من نتائجه تدخل أمريكى، وبهذا تم جلاء جميع قوات العدوان الثلاثى عن مصر، إلا أن إسرائيل- كعادتها- أرادت أن تتلكأ فى الأمر للحصول على بعض المكاسب وذلك بإعلانها الاحتفاظ بقطاع غزة تحت سيطرتها، إلا أن الاتحاد السوفيتى تدخل مرة ثانية فى 12 نوفمبر 1956م مطالبا بالجلاء عن غزة، لكن الجلاء لم يتم إلا فى مارس 1957م وعندها ترك اليهود مواقعهم فى شرم الشيخ بجنوب سيناء وفى غزة بعد أن حلت محلهم قوات الطوارئ الدولية (الأمم المتحدة).

ولقد لعبت الأمم المتحدة دورًا مهما فى حل أزمة السويس عام 1956م وكان لها دور ملموس بعد ذلك، ولكن السؤال المهم الذى يطرح نفسه الآن: كيف كان وضع سيناء بعد جلاء الإسرائيليين عنها؟

نقول: عادت القناة إلى مصر، وقررت الجمعية العمومية فى 5 نوفمبر 1956م إنشاء قوة طوارئ دولية تحت قيادة الأمم المتحدة لمراقبة وقف العمليات الحربية وإعادة السلام بالتعاون مع الحكومة المصرية ريثما تتمكن من تسلم المناطق المحتلة، ولم يكن لقوات الطوارئ أى مسئولية بالنسبة لقناة السويس، كما أسرعت فى الجلاء عن المنطقة قبل البدء فى إعادة فتح الممر المائى، أما لجنة الهدنة المشتركة فقد كانت تحت تصرف قائد القوات الدولية والتى اتخذت من غزة مقرا لقيادة القوات على أن تفتح مكاتب لها فى رفح والعريش وبورسعيد علاوة على فتح 67 مركزًا للمراقبة فى غزة، وكانت القوات الدولية مكونة من: البرازيل وكندا وكولومبيا والدانمارك وفنلندا والهند وأندونسيا والنرويج والسويد ويوغوسلافيا، ولا تمثل هذه القوات بالطبع قوات احتلال، ولم يكن من اختصاصها لا إعادة فتح القناة، ولا حل أى مشكلة سواء كانت خاصة بقناة السويس أو فلسطين أو غير ذلك، إلا أن إسرائيل رفضت نشر هذه القوات، وجاء رفض إسرائيل من مصلحة مصر إذا أرادت لهذه القوات أن تخرج فى أى وقت تريده مصر فقط، أى أن أمر القوات ظل مرهونا قانونا برغبة مصر وحدها فى بقائها.

ومع أن هذا الأمر جاء لمصلحة مصر إلا أنه مثل أمورًا خطيرة جدًا وذلك لأن وجود قوات الطوارئ الدولية فى الجانب المصرى فقط يسمح لإسرائيل بمراقبة النشاط العسكرى فى سيناء وقطاع غزة، كذلك معرفة مواقع وضع الألغام، وأسرار عسكرية أخرى، بينما ظلت منطقة الحدود التى فى الجانب الإسرائيلى خارجة عن نطاق رقابة الأمم المتحدة بلا شك وهذا من شأنه التأثير على التوازن العسكرى، وعلى الحياد الذى كان يجب أن يكون هو السمة والطابع لهذه القوات الدولية، وهذا النقص فى القرار قد أثر بعد ذلك على المنطقة العربية كلها، فلو أن الدول العظمى والجمعية العمومية قد قامت بفرض قوات الطوارئ الدولية على جانبى حدود الهدنة بالقوة ولولا اعتراضات الصهاينة لكانت أزمة الشرق الأوسط قد لقيت حلولا أقل عنفا مما حدث فيما بعد عام 1956.

أما عن المواطنين فى سيناء فقد رأوا جنودًا وضباطًا من بلاد مختلفة من كل أنحاء العالم يحرسون حدود مصر لكى لا ينشب القتال من جديد، فعبأ هذا المشهد المواطنين ليكونوا على أهبة الاستعداد والترقب للذود عن الوطن، وتمنى كل مواطن سيناوى أن يكون مسلحًا ليكون مستعدًا لأى حركة غادرة من جانب الصهاينة للنيل من أمن مصر واستقرارها واحتلال أرضها خاصة بعد أن قدموا أروع التضحيات والمساعدات لقواتنا المسلحة المصرية أثناء حرب 1956م فى كل ربوع سيناء، وبانتشار قوات الطوارئ الدولية دخل النزاع فى الشرق الأوسط مرحلة جديدة دامت عشر سنوات قبل اندلاع حرب 1967م ثم انتصار الإرادة المصرية عام 1973م.

وكان من نتائج عدوان 1956م أن خرجت فرنسا وانجلترا من مسرح الشرق الأوسط تاركتين المجال للمنافسة الأمريكية والروسية، وظل النزاع العربى الإسرائيلى بلا حل متخذا من حين لآخر شكل أزمة حادة خاصة فى ظل انشغال العرب بالنزاعات الإقليمية إذ كان الجيش المصرى آنذاك يحارب فى اليمن، كما كان الجيش العراقى يحارب الأكراد، أما سوريا فقد أعلنت فشل وحدتها مع مصر مما أعقبه أزمة فى الناحية الاقتصادية وعدم استقرار فى الناحية السياسية، كما كان الجيش الأردنى يعاد تنظيمه من جديد، وبالرغم من كل التصريحات الحماسية عن المارد العربى إلا أن الجبهة العربية كانت ضعيفة، ولكن بعد انتصارات 1956م تأججت المشاعر القومية وبدأت روابط الوحدة القومية العربية تنمو من جديد.

ومع ذلك فقد بدا أن أزمة قناة السويس قد أرضت كل الجهات فعبد الناصر أعلن أنه انتصر لأنه فى نجاح وقف الاعتداء انتصارًا للعرب، وموسكو أعلنت أنها انتصرت لأنها ساهمت فى إخراج النفوذ الغربى من مصر وإحلال نفوذها محله، كما رأى (أيزنهاور) أنه انتصر لأن مبادئه قد تحققت حيث قال (ورجال البترول انتصروا لأنهم أنقذوا مكاسبهم وأرباحهم من الأزمة) كما ادعت إسرائيل بأنها انتصرت لأنها أوقعت الفوضى فى الجيش المصرى وحطمت جزءًا من عتاده، كما رأت فى وجود قوات الطوارئ الدولية فى سيناء وحتى غزة حاجزًا يحميها من إغارات الفدائيين المصريين، كما رأت أن وجود قوات الأمم المتحدة فى شرم الشيخ يوفر لها حرية الملاحة في خليج العقبة، وأعلنت أن جيشها هو أقوى جيش فى المنطقة، أما إنجلترا فإن (أنتونى أيدن) يؤكد فى مذكراته أنه انتصر فى فرض وجود الأمم المتحدة بين المتحاربين، وإعادة فتح قناة السويس مرة أخرى، أما فرنسا فقد رأت هى الأخرى أنها انتصرت فى المعركة لأنها حققت بذلك أمن إسرائيل، والحقيقة أن الذى خرج منتصرًا هو الولايات المتحدة الأمريكية وحدها وذلك لأن أهدافها قد تحققت فى الإبقاء على الوضع الإستراتيجى والمحافظة عليه، وحماية مصالحها البترولية، وتحقيق برنامج تحرير البلاد المتخلفة من النير الاستعمارى تحت رعايتها وحمايتها ووقف المد الشيوعى الروسى لمنطقة الشرق الأوسط.

انتصار مصر وتأكيد زعامة مصر الوطنية :

ومع ذلك للحقيقة فإن الذى انتصر فى هذه المعركة هو عبد الناصر والشعب المصرى والعربى فقط إذ كانت روح الزعامة التى تبناها عبد الناصر قد بدأت تؤتى ثمارها وخرج عبد الناصر من المعركة أكثر حماسا وقوة ومعه كل جموع الشعب المصرى بل والعربى والإسلامى كذلك، حتى الشعوب الأفريقية باتت تنظر لعبد الناصر نظرة الزعامة والاحترام، كما كان من نتائج هذا العدوان أن تحررت الإرادة الوطنية فكان لتأميم قناة السويس لتصبح شركة مساهمة مصرية تعود أرباحها إلى الخزانة المصرية، أكبر الأثر فى النهضة المصرية وفى بناء السد العالى دون أى تدخل أجنبى أو وصاية أجنبية لدول تفرض شروطها، كما كان من نتائج انتصارات 1956م تحرير الاقتصاد الوطنى المصرى وعودة سيناء للسيادة المصرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى