أخبارسياسة

بين تفاؤل ترامب ورد حماس الإيجابي.. هل يقترب اتفاق وقف إطلاق النار في غزة؟

 

في تطور لافت على مسار الجهود الدولية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلّق للمرة الأولى على رد حركة “حماس” بشأن مقترح وقف إطلاق النار في غزة. ورغم اقتصاره على كلمات قليلة، كانت كافية لتكشف عن تحول محتمل في مسار الأحداث، إذ قال الرئيس الجمهوري من على متن طائرة الرئاسة: “حسنًا، هذا جيد”، في إشارة إلى الرد الذي وصفته “حماس” بأنه “إيجابي”.

تصريحات ترامب، التي أُدلي بها مساء الجمعة، جاءت في توقيت حساس تمر به مفاوضات وقف إطلاق النار التي تقودها وساطات إقليمية ودولية منذ أسابيع، لمحاولة وقف آلة الحرب التي تدور رحاها في القطاع المحاصر منذ شهور، مخلّفة آلاف الضحايا، وعشرات الآلاف من المشردين، وانهيارًا شبه كامل في البنية التحتية المدنية والصحية.

وفي معرض حديثه إلى الصحفيين، لم يُدلِ ترامب بتفاصيل كثيرة، واكتفى بالتلميح إلى قرب التوصل إلى اتفاق محتمل، قائلاً: “قد يكون هناك اتفاق خلال أيام”. لكنه أشار كذلك إلى أنه لم يُعرض عليه بعد رد “حماس” بشكل مفصل، قائلاً: “لم يتم إيجازي بشأن التفاصيل”، ما يعكس تحفظًا في الإعلان الرسمي، لكنه لا يخفي في الوقت ذاته نوايا واضحة باتجاه الدفع نحو تسوية محتملة.

دعم أمريكي مشروط

تصريح ترامب حمل أيضًا نبرة تلميح إلى أن الدعم الأمريكي للفلسطينيين في غزة لا يمكن أن يستمر بلا أفق سياسي، حيث قال: “نحن نرسل الكثير من المال والكثير من المساعدات”، ثم أضاف: “علينا أن نفعل شيئًا بشأن غزة”. الرسالة كانت واضحة: واشنطن ترى نفسها لاعبًا رئيسيًا في تمويل المساعدات الإنسانية، لكنها في الوقت نفسه ترغب في أن يُترجم هذا الدور إلى نفوذ سياسي يضع حدًا للأزمة المستمرة.

يتزامن الحديث عن المساعدات الأمريكية مع تقارير أممية ودولية عن تدهور كارثي للوضع الإنساني في القطاع، وازدياد حالات الجوع، وانهيار القطاعات الصحية والتعليمية، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة انتقادات داخلية ودولية متصاعدة بشأن موقفها من السياسات الإسرائيلية، لا سيما ما يتعلق باستخدام القوة المفرطة وتقييد وصول الإغاثة.

رد حماس: إيجابي ومستعدون للتفاوض

في المقابل، كانت “حماس” قد أعلنت، مساء الجمعة، أنها أنهت سلسلة مشاوراتها مع الفصائل والقوى الوطنية بشأن مقترح التهدئة، وسلمت ردها الرسمي إلى الوسطاء. وجاء في البيان الصادر عن الحركة أن الرد “اتسم بالإيجابية”، وأنها “مستعدة بكل جدية للدخول فورًا في جولة مفاوضات حول آلية تنفيذ هذا الإطار”.

واعتبر مراقبون في الداخل الفلسطيني أن استخدام كلمة “إيجابية” بهذا الوضوح يعكس تحوّلًا في موقف الحركة التي كانت ترفض سابقًا أي تهدئة لا ترتبط بوضوح بوقف العدوان الإسرائيلي، وضمان تدفّق المساعدات، وتبادل الأسرى، ورفع الحصار، وهي شروط اعتبرتها “جوهرية” في أي مفاوضات مستقبلية.

رد حماس الذي سلّم عبر الوسطاء، لا سيما مصر وقطر، تم توصيفه في الإعلام الإسرائيلي بأنه “مشجع من حيث الروح العامة”، وسط أنباء عن أن إسرائيل تدرس إرسال وفد تفاوضي إلى العاصمة القطرية أو القاهرة لبحث تفاصيل الاتفاق المقترح.

لقاء مرتقب بين ترامب ونتنياهو

في تطوّر لافت آخر، كشفت مصادر أمريكية مطلعة أن الرئيس ترامب يعتزم استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض خلال الأسبوع المقبل، لمناقشة تطورات الملف الفلسطيني، وسُبل الدفع قدمًا باتجاه التهدئة.

ومن المتوقع أن يتصدر الملف الأمني في غزة أجندة اللقاء، إلى جانب قضايا أخرى تتعلق بالوضع الإقليمي، والعلاقات مع إيران، ومستقبل دعم إسرائيل عسكريًا وسياسيًا في حال المضي قدمًا في اتفاق التهدئة.

ويُنظر إلى هذا اللقاء المرتقب باعتباره محطة مفصلية في حسم ملامح المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التصريحات الأمريكية التي تحمل رسائل ضمنية إلى إسرائيل بشأن ضرورة تقليل حدة العمليات العسكرية، والسماح بدخول المساعدات، مقابل الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين.

ضغوط دولية وواقع إنساني مأزوم

في خلفية هذا المشهد السياسي والدبلوماسي، تتصاعد أصوات المنظمات الدولية، من الأمم المتحدة إلى الصليب الأحمر ومنظمة الصحة العالمية، مطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، وفتح ممرات آمنة لدخول الغذاء والدواء والماء، وسط تحذيرات من أن غزة “على شفا كارثة إنسانية شاملة”، بحسب وصف مفوض الإغاثة في الأمم المتحدة.

كما تتعرض إدارة ترامب نفسها لضغوط من داخل الكونغرس الأمريكي، خاصة من نواب ديمقراطيين وجمهوريين على حد سواء، يطالبون بضرورة إلزام إسرائيل بمراعاة القانون الدولي في عملياتها العسكرية، وتقديم خطة واضحة لمرحلة ما بعد التهدئة.

سيناريوهات ما بعد التهدئة

ورغم أن الحديث عن وقف إطلاق النار يبعث آمالًا بعودة الهدوء إلى غزة، إلا أن تساؤلات كبيرة تُطرح حول ما بعد الاتفاق: من سيشرف على تنفيذ التفاهمات؟ كيف سيتم ضمان تدفّق المساعدات وإعادة الإعمار؟ وما مصير ملف الأسرى الفلسطينيين والإسرائيليين؟

وبينما يتطلع سكان القطاع إلى لحظة توقف أصوات الطائرات والقصف، يتخوف كثيرون من أن يكون هذا الاتفاق مجرد استراحة قصيرة في صراع طويل، ما لم يُترجم إلى تفاهمات سياسية واضحة، تفتح الباب أمام مصالحة فلسطينية داخلية، ورفع الحصار، وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار.

في انتظار الحقيقة

حتى اللحظة، لم تُحسم الأمور، لكن المؤشرات تتراكم باتجاه اتفاق قريب، أو على الأقل إعلان تفاهم مبدئي يُمهّد لخطوات لاحقة. ويبقى السؤال الأهم: هل تملك واشنطن، ومعها القوى الإقليمية، النفوذ والقدرة على فرض وقف دائم لإطلاق النار يخرج غزة من دوامة الحصار والحرب، ويفتح نافذة نحو مستقبل أكثر استقرارًا؟ أم أن الواقع سينزلق مجددًا نحو العنف بمجرد انتهاء المفاوضات؟

بين الردود المتفائلة، والمواقف الغامضة، والتحركات الدبلوماسية المستعجلة، يعيش قطاع غزة، كما كان دائمًا، على حافة الخطر… وعلى أمل أن يكون “هذا الجيد”، الذي تحدث عنه ترامب، بداية النهاية لحرب لا يبدو أن أحدًا يربحها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى