علاء عبدالله يكتب: تحرير العقل بداية النهضة.. قراءة في رؤية علي محمد الشرفاء الحمادي بين سلطة النص وسلطة الموروث

في زمن تتداخل فيه المرجعيات وتتزاحم فيه الروايات والتفسيرات، يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي رؤية فكرية تقوم على إعادة الاعتبار للعقل الإنساني، وجعل القرآن الكريم المرجعية الأولى والأخيرة لفهم الدين، وفي مقاله “دعوة الله لتحرير العقول” يقدم الشرفاء طرحًا يثير نقاشًا واسعًا حول العلاقة بين النص الإلهي والموروث البشري، مستندًا إلى آيات قرآنية يرى أنها تدعو الإنسان إلى التفكير والتدبر، لا إلى التقليد والتسليم المطلق.
ينطلق المقال من تكرار الآية الكريمة: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾، ليؤكد أن القرآن – وفق رؤية الكاتب – يحمّل كل جيل مسؤوليته الكاملة عن اختياراته، ويرفض أن يتحول الماضي إلى سلطة تتحكم في الحاضر أو تمنع الإنسان من ممارسة حقه في التفكير، ومن هنا، تصبح الرسالة الأساسية للمقال هي أن الإسلام جاء ليحرر الإنسان من التبعية الفكرية، لا ليكرسها.
ويمنح الشرفاء مساحة كبيرة للحديث عن أول ما نزل من القرآن، وهو الأمر الإلهي “اقرأ”، معتبرًا أن هذه الكلمة لا تقتصر على القراءة بمعناها التقليدي بل تمثل دعوة مفتوحة للبحث العلمي، اكتشاف أسرار الكون، والاستفادة من التطور العلمي والتكنولوجي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والابتكار، من أجل خدمة الإنسان وبناء الحضارة.
ومن أبرز الأفكار التي يطرحها المقال أن التخلف الحضاري ليس نتيجة نقص الإمكانات، وإنما نتيجة تعطيل العقل والاستسلام للموروث دون مراجع، ويرى الكاتب أن القرآن دعا الإنسان إلى التفكر والتدبر عشرات المرات، بينما أدى الإفراط في تقديس اجتهادات البشر إلى إضعاف دور العقل، وهو ما انعكس – بحسب رؤيته – على مسيرة الأمة العلمية والفكرية.
كما يتناول المقال قضية العلاقة بين القرآن والروايات الدينية، حيث يؤكد الشرفاء أن القرآن هو المرجع الأعلى بينما تبقى اجتهادات البشر قابلة للنقد والمراجعة، وفي هذا السياق، ينتقد الاعتماد المطلق على الروايات التي يرى أنها صرفت كثيرًا من المسلمين عن التدبر المباشر في كتاب الله، مستشهدًا بعدد من الآيات التي تدعو إلى إعمال العقل وعدم الاكتفاء باتباع ما ورثه الإنسان عن الآباء أو السابقين.
ويتوسع المقال أيضًا في مناقشة مفهوم التوحيد، محذرًا – وفق رؤيته – من المبالغة في تقديس الأشخاص أو التعلق بالأولياء وطلب الشفاعة منهم، مستشهدًا بآيات قرآنية تؤكد أن الدعاء والعبادة لا تكون إلا لله وحده، وأن الإنسان سيقف يوم القيامة مسؤولًا عن عمله الفردي لا عن انتمائه لمذهب أو جماعة أو شيخ بعينه.
ومن الجوانب اللافتة في المقال ربط الكاتب بين تحرير العقل وبناء المستقبل، إذ يرى أن الأمم لا تستطيع مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي ما لم تتحرر من الجمود الفكري، وأن القرآن لا يعارض الاستفادة من تجارب السابقين لكنه يرفض أن يتحول التاريخ إلى قيد يمنع الإنسان من الاجتهاد أو البحث عن حلول تناسب عصره.
وفي تقديري، فإن المقال يطرح قضية فكرية تتجاوز الإطار الديني إلى سؤال حضاري أوسع: كيف يمكن للأمة أن تستعيد دور العقل في مواجهة تحديات العصر؟ فالكاتب يربط بين النهضة والقدرة على التفكير المستقل، ويعتبر أن المسؤولية الفردية في قراءة النصوص والتدبر فيها تمثل أساسًا لبناء مجتمع أكثر وعيًا بعيدًا عن التقليد الأعمى أو التسليم غير النقدي.
وفي النهاية، يقدم علي محمد الشرفاء الحمادي رؤية تؤكد أن رسالة الإسلام – كما يعرضها في مقاله – قامت على تحرير الإنسان من عبودية البشر، ترسيخ مسؤوليته الفردية أمام الله، والدعوة إلى قراءة القرآن بعقل متدبر وقلب واعي، وهي رؤية تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مكانة العقل في الفكر الإسلامي، حدود العلاقة بين النص المقدس والاجتهاد البشري، ودور الوعي في صناعة مستقبل أكثر استنارة.





