بعد عودة 100 ألف سوداني: هل تنخفض أسعار الإيجارات في مصر؟

كتبت: رانيا سمير
في صباح يوم الإثنين ، تنطلق الرحلة الأولى من المرحلة الثانية لعودة السودانيين الطوعية إلى وطنهم. يغادر القطار محطة القاهرة محمّلاً بألف سوداني اختاروا أن يعودوا إلى الخرطوم، بعد أكثر من عام على اندلاع الحرب في بلادهم، ووسط ضيافة مصرية امتدت عبر المدن والأحياء، وتوزعت بين الشقق في مناطق مختلفة في أنحاء القاهرة.
لكن مع صوت عجلات القطار على قضبان العودة، يتردّد سؤال آخر في شوارع القاهرة المكتظة: ماذا بعد عودة السودانيين؟ وكيف ستتأثر سوق الإيجارات التي استوعبت مئات الآلاف منهم خلال الشهور الماضية؟
خروج منظم.. وتقدير متبادل
رحلة القطار المجاني التي تقل ألف عائد سوداني ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة. فهي جزء من خطة تفويج أسبوعية مجانية تتبناها منظومة الصناعات الدفاعية السودانية بالتعاون مع الحكومة المصرية. ويتضمن المشروع تكاليف النقل والرسوم والوجبات، بتنسيق مباشر مع سفارة السودان في القاهرة، وتحت إشراف الفريق أول ميرغني إدريس سليمان، مدير عام المنظومة، وبدعم من الفريق كامل الوزير، نائب رئيس مجلس الوزراء .
يقول البيان الرسمي للمنظومة إن المشروع دخل طوره الثاني، بعد أن نقل في المرحلة الأولى منذ أبريل الماضي 10 آلاف سوداني على متن 187 أتوبيسًا. أما الآن، فباتت القطارات هي وسيلة النقل الجديدة، استجابة لتزايد أعداد الراغبين في العودة، وحرصًا على راحتهم.
القطار المخصص رقم 1940، الذي ينطلق في الحادية عشرة صباحًا من القاهرة إلى أسوان، ومن هناك إلى ميناء السد العالي، يمثل رحلة العودة الرمزية بعد شهور من اللجوء والمعاناة، ولكن أيضًا من المساندة الشعبية والحكومية المصرية.
الإيجارات تتنفس.. وملاك يترقبون
بعيدًا عن محطات القطار، ينشغل كثير من الملاك والسماسرة في القاهرة الكبرى، والإسكندرية، وأسوان، بالتساؤل عن أثر هذه العودة الطوعية على سوق الإيجارات.
فخلال الأشهر الماضية، ومع تدفق مئات الآلاف من السودانيين هربًا من الحرب، شهدت الإيجارات في مناطق مثل المرج، وعين شمس، والفيصل، والمعادي القديمة، وإمبابة، والحضرة، ومحرم بك، ارتفاعات غير مسبوقة. وكانت بعض الأسر المصرية تجد صعوبة في منافسة السودانيين في السكن، نتيجة طلبهم العالي واستعدادهم للدفع نقدًا، غالبًا مقدّمًا لأشهر.
تقول “سلوى محمد”، وهي وسيطة عقارات بمنطقة الهرم:“منذ مايو 2023، شهدنا زيادة تتراوح بين 30 إلى 70% في إيجارات الوحدات الصغيرة. السودانيون كانوا يبحثون بكثافة، وكانوا بيدفعوا بسرعة من غير تفاوض كتير. دلوقتي لما بدأوا يرجعوا، فيه شقق كتير بتتفك، والملاك بدأوا يسألوا: نرجع للأسعار القديمة؟ ولا نفضل نترقب؟”
أثر اقتصادي مزدوج
بحسب خبراء اقتصاد، فإن مغادرة عدد كبير من السودانيين المقيمين قد تعني انخفاضًا تدريجيًا في أسعار الإيجارات قصيرة الأجل، خاصة في المناطق الشعبية التي كانت ملاذًا لكثير من اللاجئين. لكنها قد تحمل أيضًا خسائر لبعض الملاك الذين اعتمدوا على تلك الإيجارات كمصدر دخل رئيسي.
من جهة أخرى، يشير باحثون اجتماعيون إلى أن بعض الأسر المصرية كانت قد استفادت من تقاسم السكن مع العائلات السودانية، في ظل ارتفاع أسعار المعيشة، وتقسيم التكاليف، مما يعني أن رحيل هؤلاء سيعيد عبء المصروفات بالكامل على كاهل الأسر.
أما السودانيون العائدون، فليسوا جميعهم من اللاجئين المتعطلين، بل بينهم تجار، وأطباء، ومعلمون، وعمال حرف، ساهموا بشكل ملحوظ في الاقتصاد غير الرسمي داخل مصر، خاصة في الأسواق والورش والمحال والمطاعم السودانية.
نهاية الحرب؟ أم بداية حلقة جديدة؟
رغم أن قطارات العودة تنقل أملًا جديدًا إلى الخرطوم، إلا أن كثيرًا من السودانيين الذين بقوا، لا يرون في العودة خيارًا واقعيًا في ظل استمرار التوترات الأمنية والمعيشية هناك.
تقول “عفاف آدم”، لاجئة تقيم بحي الزيتون:“أنا عارفة إن في ناس رجعت، لكن أنا مش جاهزة. بيتي في أم درمان اتحرق، وجوزي لسه في السجن. ومش هقدر أرجع لوحدي. مصر بقت زي بلدي، بس إيجار البيت بيكسر ضهري”.
ما بعد الرحيل ليس كما قبله
عادت حقائب السودانيين إلى عربات القطارات، لكن تأثيرهم في حياة المصريين ــ اقتصاديًا واجتماعيًا ــ لا ينتهي بمغادرتهم.
سيبقى سؤال الإيجارات، مطروحًا، ليس فقط في سياق اللجوء، بل في قلب أزمة سكن متراكمة، يعيشها الجميع.






