ثقافة و فن

الوطن بعيون بورسعيدية

محمد فاروق يجدد مسار القصيدة العامية المصرية المعاصرة

 

كتب : حاتم عبدالهادي السيد

يعد الشاعر  البورسعيدي محمد فاروق أحد أقطاب شعر العامية الذين استطاعوا أن يجددوا في شكل ومضمون القصيدة، ليكسبوها صفة المعاصرة، والتحديث، ولقد نجح شاعرنا في ذلك إلى حد كبير جدا، ومغامرات تماما عما نقرأه..بما يجعلني -كما أرى- أعده من كبار شعراء العامية المصرية المتميزين.
إن شاعرنا / محمد فاروق يمتشق حسام المعنى ويظهر سيف اللغة متحديا الجميع، ومهزا على كلاسيكية العامية، ليرفدها برافو تجديدي ذاتي، وموضوعي، وليس له مالأ جديدا في مضمار الشعراء الكبار الآن في مصر، وهم ليسوا كثيرين كذلك.
الموظفة بعناية، ومعرفة شاعر بجوهر الشعر ومدى أهمية قصيدة العامية باعتبارها أدب الشعب، وصوت المهمشين.

لقد تمايز شعر محمد فاروق بإتكائه على موروث شعري امتشقه من تراث المقاومة، وأغاني السمسمية، وجغرافيا بورسعيد التي تجمع بين البحر والتاريخ البطولي ، علاوة إلى كونها المنطقة التجارية الحرة، التي تنفتح على محافظات متجاورة، بل وتنفتح على كل محافظات مصر…
ولعل وجود قناة السويس، وتقاطعها مع المتوسط قد أكسب المكان جغرافيا متغايرة، وهو ما يميز بورسعيد، وقد انعكس ذلك في أشعار أدبائها كذلك، ومنهم محمد فاروق .
لقد تميز شعره بالعمل والبساطق، والتكييف والترميز فى آن، فتمايزت أسعاره عن أقرانه، رغم وود شعراء كبار في بورسعيد كذلك..

إن القصيدة عند محمد فاروق نراها تجترح المعنى، عبر هارموني اللغة البكر، الطازجة، الثرية، والتي تدخل إلى القلوب من أبواب عديدة. بل تخش إلى الروح من باب الذات المقروحة على بوابات العالم، في برية الصمت والسكون، والبوح الدافق المتهادي، كنهر يعبر حدائق الجمال الشعري البهيج..

وتتميز قصيدة محمد فاروق بتنامي هارموني المعني عبر سلسال الحروف التي تنتضم عقد الشعرية لتخرج القصيدة موشاة بجمال ممتد، رفدته الصور الماتعة، التي يخرجها لنا من أصص الجمال، وعبر مروج حدائق النور الجميلة..

وفي قصيدته :” على اسم مصر ” – التي تناص فيها مع شعر الراحل رائد العامية المصرية صلاح جاهين- نراه يدخل من باب صلاح جاهين، ليصل إلى جوهر باب محمد فاروق، وكأنه امتداد لمسيرة ريادة شعرية ممتدة ، وهو كذلك…

لقد استطاع محمد فاروق أن يطوع اللغة، واللهجةالمصرية، ليقدم لنا قصيدة وطنية لا تقل أهمية عن قصائد بيرم التونسي، وفؤاد حداد، وصلاح جاهين، ويسري العزب -بل تجاوزهم-على حد قولي- لما اتسمت قصيدته بأسلوبية تجديدية معاصرة، تعبر المعنى وتتوسل به آفاقا جديدة عبر جغرافيا الشعرية العربية المعاصرة، واستخدامه لتقنية التناص عبر سيمولوجيا المعنى، بدواله ومدلولاته الرامزة..
وشاعرنا / محمد فاروق يستخدم هنا التدوير الشعري، وتقنية الإزاحة والتكثيف، وتشاركية القارىء، إلى جانب استخدامه للمعاني الثواني، والثوالث، ويخفي خلف ظاهر المعنى ما يظهره عبر المعنى المضمر، والذي يفتح الباب للتأويل، حيث الصورة عنده أكثر طزاجة، علاوة إلى ولوجوه إلى مناطق شعرية لم يصل أحد إليها، سواه..

ومعلوم أن القصائد الوطنية يستخدم فيها الشاعر الوصف الظاهري، وامتداح الوطن، لكنني أراه قد غير مسيرة جغرافيا الشعر الوطني المعنى بالصور المركبة، والصور أكثر توليدا لمعان تأخذ القارىء إلى بوابات الحلم، عبر الذات، وتمزج المعنى الضمني بالمعاني الضافية، التي تولدها الصور المتتابعة…. عبر مركزية الصورة العامة لمدلولات الوطن المتعانقة، والمتواشجة…

ولا شك إنه يمتشق حصان الحلم، ويصنع الوطن الأسطورة، والوطن الذي يمنح الحب عبر طرقات الروح، فنغوص معه حتى نهاية الرحلة…

ولنا أن نقدم هذه القصيدة الرائدة التي تعد من عيون شعر العامية المصرية الوطني، يقول :

علي اسم مصر البَلد موصُول مابينَّا طريق
لاضِم في شَعرة نور بين الفَرَج والضِّيق ،
ما انتي (النسيم في الليالي وبياعين الفل )*
والصُبح حبِّة لبن بنْشُق بيكي الريق

وإن كان نصيبنا الصبر فيكي فمدِّي إيدك
واعصري الشمس اللي نازلة من جبينك
واضربي برجلك تراب ملو الخريف
يطرح خضار مد البصر ،
الصبر قلبُه بينشع النور والمطر
فيصلي بالمحصول جماعة .
برغيف يشبع حلمنا
لو حتي حاف ؛
وقت المجاعة .

نعبِّي روحنا الهشَّة أنفاسك
واللُقمة بين حُضنك تزيد ،
لبنات بيكسي سمار ملامْحك خدُّهم
وولاد بوش الصُبح بتغني النشيد
(والجد قاعد مربَّع يقرا في الجرنال)*
بتشدي روحنا من الوجع جوه الظروف
وتلاقي حل المسئلة
عرق الغلابة الطيبين يِتْشَم فيكي
ببرفانات حور السما
(والنبض ينفض عروقنا بألف نغمة وضرب)*
ما انتي التُراب وعْيدان جريد النخل
والحبَّة الرُطب
وانتي اللي في عيون الصبايا
شايله في المطرة الحطب ،
في عنيكي دَوْشَة من الفرح
وإيدين لطفلة بتسند عالحيطان بشويش
بعلاقة ذي قرنفلاية في بُق شاي
أو زي حضن الشمس بالكورنيش
(والقاكي برواز معلق عندنا في البيت)*
منحوتة بالأزاميل
علي اسم مصر البلد وإسم هذا الجيل
وإسم كل اللي سهروا في صُحبتك عالنيل
علي اللِّي يشيل فَارُوع فاسك
ويعزق م الغَلَتْ أغصان ،
علي راجل ملا الدكان
ومستني الحساب آجل
علي الدفعة اللي سهرانلك
وللست أم ١٠٠ راجل
و( فلاحين ع المداخل من بعيد وقريب )*
علي اسم هذي البلد إسم الوطن مايغيب
صوت المَكَنْ في الوِرَشْ / والبنَّا / والسَّريح /
صياد مابين ميتك علي إيدك اتوضَّا
طبلية متْقَرفصة بالضحكة تتقضَّا
وخلق في الميادين بتغنِّي أغنية
(مصر السما الفزدقي وعصافير معدية )*
علي اسم مصر البلد كبرنا ووعِينا
تاخُدنا علي حِجرها وبإيدها ترقِينا
وف حصِّة المدرسة تُلضم في أحلامنا
نبض الوطن واحد بخريطة عربية ؛
ومفيش فروق توقيت
( ومصر فوق في الفراندة واسمها جولييت )*
تغزل عيونها الشمس
وتصب فينا الدفا
علي شعرنا وتكب
علي اسم مصر البلد
هتعيش توزع ضي لسَّه في عيون الشعب …

شعر
محمد فاروق
بورسعيد
*من قصيدة (علي إسم مصر) للشاعر الكبير صلاح جاهين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى