
د/ سهام جبريل تكتب: ثورة يوليو.. عندما أعادت مصر رسم موازين القوى في المنطقة والعالم
بقلم: د/ سهام عز الدين جبريل – محللة استراتيجية وخبيرة إعلام سياسي
لم تكن ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 مجرد حدث سياسي أنهى حكم أسرة محمد علي، ولم تكن مجرد حركة عسكرية قادها الضباط الأحرار لتصحيح أوضاع داخلية اختلت بفعل الاحتلال والفساد، وإنما مثلت تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق أعاد صياغة دور مصر في محيطها العربي والإفريقي والدولي، وأسهم في تغيير خريطة النفوذ العالمي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
جاءت الثورة في لحظة فارقة من التاريخ؛ فقد كان العالم قد خرج لتوه من الحرب العالمية الثانية ، بينما بدأت الحرب الباردة ترسم حدود نظام دولي جديد قائم على الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وفي الوقت ذاته، كانت الشعوب الواقعة تحت نير الاستعمار تبحث عن نموذج قادر على انتزاع الاستقلال وصناعة مستقبلها بإرادتها الوطنية.
أما في الداخل المصري، فقد كانت الأوضاع مهيأة للتغيير. فالاحتلال البريطاني ما زال يفرض نفوذه على القرار الوطني، والفساد السياسي بلغ ذروته، وتفاقمت الفوارق الاجتماعية، بينما كشفت هزيمة عام 1948 حجم الخلل في مؤسسات الدولة، لتصبح الثورة استجابة طبيعية لمطالب التحرر والعدالة وإعادة بناء الدولة.
من الثورة إلى بناء الدولة
لم يقتصر مشروع يوليو على إسقاط النظام الملكي، بل اتجه إلى إعادة تأسيس الدولة المصرية على أسس جديدة، من خلال الإصلاح الزراعي، وتوسيع قاعدة العدالة الاجتماعية ، وإقرار مجانية التعليم، وإنشاء قاعدة صناعية وطنية، وبناء السد العالي باعتباره مشروعًا حضاريًا جسّد الإرادة الوطنية في تحقيق التنمية المستقلة.
وكانت هذه السياسات تعبيرًا عن رؤية شاملة هدفت إلى بناء دولة قوية تمتلك قرارها السياسي واقتصادها الوطني، وتستطيع الدفاع عن استقلالها في مواجهة الضغوط الخارجية.
ثورة غيّرت موازين القوى في المنطقة العربية
على المستوى العربي، مثلت ثورة يوليو نقطة تحول في تاريخ الأمة العربية، إذ استعادت مصر دورها القيادي، وأصبحت القاهرة عاصمة لحركات التحرر العربي.
وقدمت مصر الدعم السياسي والعسكري والإعلامي لثورة الجزائر، وساندت حركات الاستقلال في الخليج واليمن، كما وضعت القضية الفلسطينية في قلب مشروعها القومي، وربطت بين أمن مصر وأمن محيطها العربي، لتترسخ لأول مرة فكرة الأمن القومي العربي باعتباره منظومة واحدة تتجاوز الحدود الجغرافية.
ولم يكن تأثير الثورة سياسيًا فقط، بل امتد ليصنع حالة من الوعي العربي الجديد القائم على الاستقلال والوحدة ورفض الهيمنة الأجنبية.
إفريقيا… عودة مصر إلى عمقها الاستراتيجي
أدركت القيادة المصرية أن أمنها القومي لا ينتهي عند حدودها، بل يمتد إلى القارة الإفريقية، وخاصة دول حوض النيل.
ومن هنا، لعبت مصر دورًا بارزًا في دعم حركات التحرر الوطني في كينيا، والكونغو، وأنغولا، وموزمبيق، وزيمبابوي، وجنوب إفريقيا، وقدمت التدريب والدعم السياسي والدبلوماسي للعديد من القيادات الإفريقية.
كما كانت القاهرة من أبرز العواصم التي أسهمت في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963، لتصبح مصر شريكًا رئيسيًا في بناء إفريقيا المستقلة وإنهاء عصور الاستعمار والتمييز العنصري.
يوليو والنظام الدولي الجديد
ربما كان التأثير الأكبر ل ثورة يوليو يتمثل في إعادة صياغة موقع مصر داخل النظام الدولي.
فقد رفضت الثورة سياسة الأحلاف العسكرية، وأعلنت استقلال القرار الوطني، ثم جاء قرار تأميم قناة السويس عام 1956 ليشكل لحظة فارقة في التاريخ المعاصر، إذ أثبت أن دولة نامية تستطيع مواجهة القوى الاستعمارية الكبرى والانتصار عليها سياسيًا.
ولم يكن فشل العدوان الثلاثي مجرد انتصار عسكري ودبلوماسي لمصر، بل كان إيذانًا بانتهاء عصر الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وبداية انتقال مركز الثقل العالمي إلى نظام دولي جديد.
كما شاركت مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر في تأسيس حركة عدم الانحياز إلى جانب جواهر لال نهرو وجوزيب بروز تيتو، لتصبح الحركة صوتًا للدول النامية الرافضة للانقسام بين المعسكرين الشرقي والغربي، والداعية إلى احترام سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
إلهام لشعوب العالم الحر
تحولت ثورة يوليو إلى نموذج ملهم للشعوب التي كانت تناضل من أجل الاستقلال، إذ أثبتت أن الإرادة الوطنية قادرة على كسر الهيمنة الأجنبية وبناء دولة مستقلة.
ولذلك استلهمت العديد من حركات التحرر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية التجربة المصرية، ليس فقط باعتبارها ثورة سياسية، بل باعتبارها مشروعًا متكاملًا يجمع بين التحرر الوطني والتنمية والعدالة الاجتماعية.
لقد تجاوز تأثير يوليو حدود الجغرافيا المصرية، ليصبح جزءًا من تاريخ نضال الشعوب الحرة ضد الاستعمار والهيمنة.
بين الإنجازات والتحديات
ورغم الإنجازات الكبرى التي حققتها الثورة، فإنها واجهت تحديات جسيمة، من أبرزها الضغوط الدولية، ومحاولات الاحتواء، والصراعات الإقليمية، ثم جاءت نكسة يونيو 1967 لتفرض مراجعات عميقة على المستويين العسكري والسياسي.
غير أن إعادة بناء القوات المسلحة وخوض حرب الاستنزاف مهدا الطريق لانتصار أكتوبر 1973، الذي أكد قدرة الدولة المصرية على تجاوز الأزمات واستعادة توازنها.
قراءة في الحاضر
بعد مرور أربعة وسبعين عامًا على ثورة يوليو، لا تزال آثارها حاضرة في معادلات السياسة الإقليمية والدولية. وبينما يشهد العالم اليوم تحولات كبرى نحو نظام متعدد الأقطاب، تبدو تجربة يوليو أكثر أهمية في التأكيد على أن الدول التي تمتلك قرارها الوطني، وتستثمر موقعها الجغرافي، وتبني قوتها الشاملة، هي وحدها القادرة على الحفاظ على مكانتها وتأثيرها.
لقد أثبتت ثورة يوليو أن الجغرافيا تمنح الدول فرصًا، لكن الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية هما اللتان تحولان هذه الفرص إلى قوة ونفوذ.
ختامًا، ستظل ثورة يوليو علامة فارقة في التاريخ المصري والعربي، ليس لأنها غيرت نظام الحكم فحسب، بل لأنها أعادت تعريف دور مصر كدولة قائدة، ورسخت حق الشعوب في التحرر، وأسهمت في تغيير موازين القوى الإقليمية والدولية، لتصبح واحدة من أكثر الثورات تأثيرًا في القرن العشرين. إنها لم تكن مجرد ثورة على واقع قائم، بل كانت مشروعًا لبناء وطن، وصناعة أمة، وإلهام عالم بأسره.






