المزيدثقافة و فن

توفيق الحكيم ومسرح الشاطىء (كوميديا ساخرة)

بقلم: حاتم عبدالهادي السيد

يعد الكاتب الكبير / توفيق الحكيم أحد أعمدة كُتَّاب المسرح المصري؛ الذي مثل نقطة فارقة في تاريخ المسرح المصري ؛ لينطلق بعدها المسرح الحديث على أيدي صلاح عبدالصبور، ونجيب سرور، وعبدالرحمن الشرقاوي، نعمان عاشور، وغيرهم.
ولعل المسرح التجريبي – كما أحسب- قد أنتج لنا “مسرح الجرن”، و” مسرح القهوة”، و” مسرح الصحراء” والذي هو امتداد ” للمسرح الحر “؛ وغدت ” المونودراما” عنصراً رئيساً في بناء المسرح الحديث؛ الذي اعتمد ايقاعات العصر، وتقنيات الحداثة، وعصر السرعة الذي أنتج المسرحيات القصيرة جداً، – الكبسولات المسرحية- وفنون ” الإسكتش”، و” الكولاج”؛ و”المونولوج “، و”مسرح الظل”، ومسرح العرائس؛ و ” البانتوميم”، و” المسرح المدرسي.. والجامعي”؛ وغير ذلك.

لقد غدا التجريب سمة ميزت المسرح المصري، والعربي لمجابهة تقنيات الرقمنة، والعصرنة؛والميديا، وغدت ” السينوغرافيا” احدى المحطات؛ التي راودت المخرجين لعقود ممتدة؛ بينما اعتمد كثيرون ” السريالية” كمذهب ، ونظرية لإنتاج العديد من التجارب المسرحية : السياسية، والاجتماعية- كما أرى- وغدا المسرح قي ظل الميديا أكثر براحاً للمخرج. فيما اتجه آخرون لإعادة إنتاجية التراث؛ واستخدام “القناع” ، و” الماسكات” وغيرهما؛كتقنيات مؤثرة، ولكسر التابوهات -بالتخالف مع المسرح الشكسبيري- الذي غاص فيه كثيرون في الثلاثينات وما بعدها؛ حتى تم النهوض بالمسرح على يد “يوسف بك وهبي”، و”زكي طليمات”، ويعقوب صنوع، وعزيز أباظة، وأحمد شوقي -في المسرح الشعري- وغيرهم. وكذلك داخل المسارح العربية في بلاد الشام، والعراق، وفي بلاد المغرب العربي ؛ ودول الخليج العربي كذلك .

أما ( مسرح الشاطيء) أو – مسرح الكورنيش- فهو مصطلح جديد أضيفه- كما أصطلح- إلى أشكال العرض المسرحي، وهو ابتكار سيناوي- فيما أحسب- لربط البيئة بالمجتمع، واشراك الجمهور في ليالي وأمسيات الصيف داخل العرض المسرحي، وهو أشبه ” بالفرجة المسرحية”، أو ” بالمسرح الشعبي”؛ أو ” مسرح الشارع” الذي كان يتم تقديمه في العديد من دول العالم، – دون خشبة مسرح- أو في الحفلات الشعبية في الريف المصري؛ أو في الصعيد ( مسرح الدكة)، وغير ذلك.

إن مصطلح ( مسرح الشاطىء) هو ابتكار محلي سيناوي؛ رأيته متجسداً على شاطيء المتوسط بمدينة العريش – بجوار الكورنيش- ليضاف إلى مسار المسرح المصري الحر؛ أو المسرح التجريبي المعاصر ،

وفي مسرحية (حصحص الحبوب) لتوفيق الحكيم – رؤية واعداد واخراج مخرج سيناء أ./ مجدي الشريف – رأيت مصطلح ( مسرح الشاطىء- أو مسرح الكورنيش) متجسداً بقوة؛ فليس هناك خشبة مسرح، كما أن السماء تمثل سقف هذا المسرح، وهو مفتوح من ثلاثة جوانب ،والجمهور يمثل الجوقة المسرحية، وهو جزء من نسيج العرض، حيث كانوا يجلسون على الشاطىء ليستمتعوا بفرجة صيفية مبهرة. حتى الديكور على بساطته قد جسد روح الكوميديا الساخرة- التي أرادها المؤلف / توفيق الحكيم، لكن بروح عصرية – من خلال الإعداد الجيد؛ والإسقاطات التي تتماشي مع الواقع، والجمل العصرية التي أضافتها” الإفيهات” التي جعلت الجمهور ينصت بشغف إلى مسار العرض المسرحي الساحر؛ التلقائي/ المرتب والمنضبط، ولم يشعر أحد بأي ملل.

ولعل المؤثرات الصوتية والطبيعية للنجوم والقمر؛ وصوت هدير البحر، وأصوات الذين على الشاطىء ؛قد شكلوا بعض ثيمات وخصائص ذلك العرض، كما أن الإضاءة الخافتة، والموسيقا؛ والأغاني البسيطة المتسقة مع هارموني ” النص المسرحي” قد احدثت واقعاً سحرياً؛ سيميائياً مميزاً ؛ وكذلك ” الإعداد الذي بعث روح العصر ، ونكهة المعاصرة في نص توفيق الحكيم – كما أرى.

ولقد اندهشت من جماليات السينوغرافيا التي قدمها المخرج السيناوي أ./ مجدي الشريف ؛ وكيف استطاع دمج كثير من الأجناس الفنية، والأدوات المسرحية، ليقدم لنا مسرح الراحل / توفيق الحكيم بصورة جديدة، تعيد
إنتاجية موروث المسرح المصري؛ وتقدم “البهارات المسرحية”، عبر تقنيات سينوغرافية، وأداء كوميدي ساخر يخاطب الوجدان، والعقل، والروح، ويكسر الحائط الوهمي الرابع – كسر الإيهام- عبر تشاركية الجمهور الذي جسد عنصر ” الجوقة المسرحية بشكل تلقائي لافت، عبر شاطيء البحر، ومن خلال أداء متميز لأبطال العرض. حيث جاءت المسرحية من خلال منظرين، أو فصلين متتابعين -جسدا موضوع الحكاية المسرحية، وأحداثها من خلال مشهد لمكتب في مدرسة، ثم مكتب آخر في شركة، ليقدم لنا همومنا المجتمعية، عبر اسقاطات عميقة للعملية التعليمية، التي تُظهر جشع بعض المدارس الخاصة- التي تُخرِّج لنا طلاباً غير مؤهلين لسوق العمل، وغير مؤهلين علمياً ،ومهنياً لقيادة الدول، والمؤسسات العامة .

ولعل موضوع قضية التعليم هو القضية المحورية التي تدور حولها المسرحية، ولكن من وجهة كوميدية اجتماعية، تضعنا على قروح وأمراض العملية التعليمية، والمتعلمين، ونظرة المدارس الخاصة والأهلية لجمع المال، دون تقديم منهج تعليمي؛ أو مدرسين أكفاء، حيث عرضت المسرحية لمدرسة فيها السكرتيرة – غير المؤهلة- تدرس جميع المواد التعليمية، كذلك الشيخ الذي يدرس مادة اللغة العربية، وليس بالمدرسة سواهما؛- وهنا تلعب المفارقة والإسقاطات، و”الإفيهات”دوراً كبيراً في تسيير دراما السرد المسرحي، فماذا ننتظر من نواتج للتعليم الخاص، أو العام، فلا رقابة دون ضمير من جانب المعلمين، أو ناظرة المدرسة؛ التي لا هم لها سوى جمع المال، والتفنن مع السكرتيرة في الحيل؛ والألاعيب، ومنها بيع الحمار نفسه، دون النظر إلى صاحبه، وما دفعه من أجل تأهيل وتعليم ذلك الحمار النابغة !!.

وإذا علمنا أن المتعلم، أو الطالب – جاء عبر شخصية “حمار” أراد صاحبه – والده- كما جاء على لسان الشخصية- أن يدخل المدرسة، واستخدم المخرج تقنية ” القناع” -لحمار”، وجاءت الموسيقا والرقصات ،والأغاني متسقة مع النهيق المتداخل مع الغناء – عبر الإسقاطات- ليشير إلى قبول مديرة المدرسة لإلحاق الحمار – المتجسد عبر قناع اللعبة المسرحية الفنتازية الساخرة – بالمدرسة؛ بعد تعهد صاحبه – والده- بإحضار العلف والشعير والبرسيم له كل شهر، ودفع حوالي مائة ألف جنيه لتعليم ذلك الحمار، الذي أصبح فيما بعد مديراً لشركة العلف والمبيعات( عبر فنتازيا الإيهام والتّجسّد) وجهل صاحبه الثري بمكيدة مديرة المدرسة والسكرتيرة، ليبدأ الإسقاط على بعض شخصيات المتعلمين،الذين لم يتعلموا شيئاً ، فمدير الشركة( الذي كان حماراً عبر الفنتازيا) وإيهام مديرة المدرسة لصاحبه بأنه تحول إلى شخص، وانسان له مكانة كبيرة، حيث يقابل الوزراء والشخصيات العامة- – بعد التعليم – وهم قد باعوا الحمار في الأساس، وأوهموا صاحبه بأنه تحول إلى إنسان ناجح، بل ومديراً لشركة العلف والمبيعات الحشرية- لتأخذ المسرحية الجانب الفنتازي لوضع أيدينا على بعض الأمراض الإجتماعية – عبر السخرية الممزوجة بالكوميديا والفنتازيا، قرر إلغاء تربية الحيوانات والدواجن وتصديرها، وتصدير العلف لتوفير العملة الأجنبية الصعبة للدولة، مع البقاء على دودة القطن- وليس دودة القز- لصناعة الحرير بعد ذلك.

كما تتعرض المسرحية لدور الإعلام ، والسوشيال ميديا في تغريب ، وتجهيل الحقائق، ورسم صورة ملفقة وغير حقيقية للواقع، والتطبيل لمدير الشركة،من أجل المال والمكافأة، وعدم مجابهة الأخطاء، بل والثناء على ذلك المدير الفاشل؛كذلك.

إن المخرج / مجدي الشريف يضع أيدينا – هنا- على بعض الأخطاء ، والفساد في العملية التعليمية، وفي الشركات ، وجهل المسئولين – لأنهم نجحوا في المدارس بالغش، أو بما دفعوه من مال، وكذلك دور الإعلام في التغطية على الممارسات الخاطئة ، والنظام التعليمي الهزلي كذلك.

إن توفيق الحكيم قد أشتهر في كتاباته بالتركيز على ” الحمار” ” كثيمة فنتازية”؛ للولوج إلى أغراض مسرحياته العديدة؛ وكأنه يعيد إلى الذهنية حكايات ” جحا وحماره”؛ وإذا علمنا أنه قد ابتدع:( مسرح الذهن)، وكتب أغلب مسرحياته للقراءة الفكرية، ولم يضع في حسبانه – كثيراً- تمثيلها على خشبة المسرح؛ لعرفنا الجهد الشاق للإعداد والإخراج المسرحي الذي قام به المخرج/ مجدي الشريف لتحويل ذلك المنتج المسرحي الذهني العقلي الجاف؛ إلى نص درامي كوميدي فنتازي ساخر، يخاطب العقل والوجدان معا، وقد نجح بجدارة في تحويل المسرحية القرائية؛ لعرض مسرحي يتسم بنكهة الأصالة، وروح الحداثة والمعاصرة؛ كذلك.

في النهاية : يظل مسرح / توفيق الحكيم ملهماً، ومتسقاً مع همومنا ومشكلاتنا الحياتية،والاجتماعية: العامة والخاصة، وإن تباعدت الأزمنة؛ واختلفت العصور .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);