المزيدثقافة و فن

الشعر والهوية الوطنية: الكلمة التي قاتلت مع البندقية في انتصارات أكتوبر ١٩٧٣م

كلمة الشاعر / حاتم عبدالهادي السيد

لم يكن الشعر العربي يومًا مجرد فن للوجدان أو ترفٍ لغوي، بل ظل عبر تاريخه أحد أهم أدوات بناء الهوية الوطنية، وصناعة الوعي الجمعي، وإشعال روح المقاومة في مواجهة الاحتلال والعدوان. فمنذ أقدم العصور؛ حتى قصائد اليوم ظل الشعر يسجل ذاكرة الأمة ويحفظ بطولاتها، ويغرس في النفوس معاني الانتماء والتضحية.
وإذا كانت حرب أكتوبر 1973 قد أثبتت قدرة الجندي المصري على تحقيق النصر، فإنها كشفت أيضًا عن الدور الوطني الجميل الذي أدته الكلمة الوطنية في تعبئة الوجدان الشعبي ودعم جنودنا البواسل لتحقيق النصر للمصريين .

الهوية الوطنية ليست شعارًا فحسب- ، بل هي شعور عميق بالانتماء إلى الأرض والتاريخ والثقافة والمصير المشترك. ومن هنا كان الشعر أحد أهم وسائل ترسيخ هذه الهوية؛ لأنه يخاطب العقل والقلب معًا، ويحول الوطن من حدود جغرافية إلى قيمة روحية يعيشها الإنسان ويدافع عنها.

لقد ارتبط الشعر العربي دائمًا بالوطن، فكتب الشعراء عن الحرية والكرامة والشهادة، وأصبح البيت الشعري في كثير من الأحيان أشد تأثيرًا من الخطب السياسية. ولم يكن غريبًا أن تتحول القصائد الوطنية إلى أناشيد يرددها الجنود والجماهير في لحظات الحسم.
الشعر في خدمة المعركة:
يا بلدنا يا منورة أنا جاي أغنيلك
السيسي هوا البطل نور قناديلك
ريس وزي القمر هوا هلال نيلك
يبقى عمار يا بلد ودا كله من خيرك.

لقد لعب الشعر دورًا كبيرًا في رفع الروح المعنوية للشعب المصري. فقد رفض الشعراء الاستسلام، وأكدوا أن الهزيمة ليست نهاية التاريخ، بل بداية طريق النصر. وانتشرت القصائد الوطنية عبر الإذاعة والصحف والأمسيات الثقافية، فأسهمت في إعادة الثقة بالنفس، وترسيخ الإيمان بأن استعادة الأرض قادمة لا محالة.
وعندما جاءت حرب أكتوبر، أصبحت الكلمة الوطنية جزءًا من معركة الوعي؛ إذ كان الإعلام الوطني يقدم القصائد والأغنيات التي تشحذ همم الجنود والشعب، وتؤكد وحدة الجبهة الداخلية مع المقاتلين على خطوط القتال.

منظمة سيناء العربية… البطولة الصامتة
ومن الصفحات المشرقة في تاريخ حرب أكتوبر دور منظمة سيناء العربية، التي أسسها الرئيس السادة عام ١٩٦٨م اثناء حرب الإستنزاف ؛ وهي مجموعة من أبناء سيناء الوطنيين الذين تعاونوا مع أجهزة الدولة المصرية قبل الحرب وأثناءها. فقد قدموا معلومات دقيقة عن تحركات قوات الاحتلال الإسرائيلي، وساعدوا في أعمال الاستطلاع والإرشاد، ونقل الرسائل، وتأمين القوات، مستفيدين من معرفتهم الدقيقة بطبيعة سيناء ومسالكها.
وقد كانت المعلومات التي وفرها هؤلاء الوطنيون ذات قيمة كبيرة، وأسهمت في دعم التخطيط العسكري ونجاح العديد من العمليات. وكان أفراد المنظمة يعملون في ظروف شديدة الخطورة، معرضين للاعتقال أو الاستشهاد في أي لحظة، ومع ذلك ظل دافعهم الأول هو حب الوطن .
ولقد تم استخدام الشعر كشيفرة لنقل الرسائل للجنود والمتابعين خلف خطوط العدو ؛ وأسهم بشكل كبير في معركة النصر عام ١٩٧٣م.

لقد قام الشعر بتعبئة الشعب نفسياً؛ ووجدانياً ؛ وتمثل ذلك في :

تعزيز الانتماء الوطني لدى أبناء سيناء وسائر المصريين.
رفع الروح المعنوية للمقاتلين والجنود .
مواجهة الدعاية المعادية بالحفاظ على الثقة بالنصر.
تخليد بطولات رجال المخابرات ومنظمة سيناء العربية، حتى لا تندثر تضحياتهم في زحام التاريخ.
فالكلمة الصادقة تصنع الإرادة، والإرادة هي الأساس الذي تقوم عليه كل معركة ناجحة.

الشعر ذاكرة الأمم
بعد انتهاء الحرب، واصل الشعر أداء رسالته، فأصبح سجلًا حيًا يحفظ أسماء الشهداء والأبطال، ويروي للأجيال كيف تحررت الأرض بالإيمان والعلم والتضحية. ولهذا فإن القصيدة الوطنية لا تنتهي بانتهاء المعركة، بل تبدأ مهمتها الحقيقية في حفظ الذاكرة الوطنية من النسيان.
ومن أجمل ما قيل في حب الوطن قول الشاعر:
بلادي وإن جارت عليَّ عزيزةٌ
وأهلي وإن ضنّوا عليَّ كرامُ.
وقال محمود سامي البارودي:
وطنٌ إذا ذُكر الكرامُ فإنني
أهوى ثراه، وأفتديه بروحي.
وقال أحمد شوقي أمير الشعراء- وهو أول نائب في البرلمان المصري عن سيناء – يقول :
وللأوطان في دم كل حرٍّ
يدٌ سلفت ودينٌ مستحقُّ.
ومن شعر المقاومة يمكن أن نستلهم هذه المعاني:
سنبقى على عهد البلاد جنودها
إذا ما دعا الواجبُ لبَّى المخلصون
فسيناءُ في الأرواح عهدٌ مقدسٌ
ومصرُ التي نحيا بها… وبها نكون.

خاتمة
لقد أثبتت حرب أكتوبر أن النصر لا تصنعه الأسلحة وحدها، وإنما تصنعه أيضًا العقيدة الوطنية، ووحدة الشعب، والكلمة الصادقة التي تغرس الإيمان في النفوس. وفي هذا السياق كان الشعر شريكًا معنويًا في صناعة النصر، كما كانت منظمة سيناء العربية شريكًا ميدانيًا في معركة التحرير، حيث امتزجت بطولات رجال المخابرات وأبناء سيناء مع تضحيات الجيش المصري في ملحمة ستبقى واحدة من أعظم صفحات التاريخ العربي.
وهكذا يظل الشعر حارس الهوية الوطنية، ولسان الذاكرة، وصوت الوطن الذي يذكّر الأجيال بأن الأرض تُصان بالشجاعة، وأن الكلمة المخلصة قد تكون، في بعض اللحظات، سلاحًا لا يقل أثرًا عن البندقية.
وفي النهاية أقول :
أنا عايز أفخر بنسبي
وأقول لجيل ورا جيل
مصر العظيمة دي أمي
وأبويا نهر النيل .

تحيا مصر
تحيا مصر
تحيا مصر

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);