مقالات

علاء عبدالله يكتب: حين يتحول النيل إلى ورقة ضغط.. قراءة في تحذيرات علي محمد الشرفاء من معركة المياه

يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله قضية تتجاوز حدود الخلاف السياسي حول سد النهضة، لتضع الأمن المائي لمصر والمنطقة العربية في قلب مشهد شديد الحساسية، وينطلق المقال من فكرة أساسية مفادها أن المياه ليست مجرد مورد اقتصادي يمكن التحكم فيه وفق إرادة دولة واحدة، وإنما عنصر يرتبط مباشرة بحياة الشعوب واستقرارها ومستقبلها.

ويستند الكاتب إلى هذه الفكرة في قراءة التصريحات الإثيوبية المتعلقة بالتحكم في تدفقات مياه النيل، معتبرًا أن استمرار الحديث عن إنشاء سدود جديدة على النهر يفتح الباب أمام مخاوف تتعلق بتحول المياه من وسيلة للتنمية إلى أداة يمكن استخدامها في الضغط السياسي.

وفي هذا السياق، يلفت المقال الانتباه إلى أن قضية النيل لا يمكن التعامل معها باعتبارها خلافًا فنيًا محدودًا بين دول حوض النهر، لأن أي تغيير جوهري في تدفقات المياه ستكون له انعكاسات مباشرة على دول المصب، وعلى رأسها مصر والسودان. ومن هنا تأتي أهمية التوصل إلى قواعد واضحة تضمن حقوق جميع الأطراف وتحول دون فرض الأمر الواقع.

ومن أبرز الأفكار التي يركز عليها المقال أن حسن النية وحده لا يكفي لحماية الحقوق خاصة عندما يتعلق الأمر بملف استراتيجي مثل المياه، فالكاتب يرى أن الأمن المائي يحتاج إلى سياسات واضحة وضمانات واتفاقات ملزمة، وليس إلى الاعتماد على الوعود أو التطمينات السياسية.

لكن المقال ينتقل بعد ذلك من التحليل المباشر لأزمة سد النهضة إلى مساحة أوسع، إذ يربط الموقف الإثيوبي الحالي بسلسلة من الأحداث والروايات التاريخية التي يرى أنها تشير إلى وجود مخططات قديمة تستهدف مصر ومياه النيل، ويستشهد الكاتب في هذا الجزء بنصوص دينية وروايات تاريخية وتصريحات منسوبة إلى شخصيات سياسية وإعلامية، ليقدم تفسيرًا يعتبر أن ما يحدث اليوم امتداد لمخططات أقدم.

وهنا تبدو إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل في المقال؛ إذ ينتقل الخطاب من التحذير من مخاطر سياسية ومائية يمكن مناقشتها بالوثائق والمعاهدات إلى تبني تفسير واسع يقوم على وجود مؤامرات تاريخية ممتدة عبر قرون، وهذه الجزئية تحديدًا تحتاج إلى التعامل معها بحذر، والتمييز بين الوقائع الموثقة وبين التفسيرات السياسية أو التاريخية التي يقدمها الكاتب من وجهة نظره.

كما يوجه المقال انتقادات حادة لما يسميه عجز المجتمع الدولي عن حماية حقوق الدول العربية، مستشهدًا بأزمات وصراعات شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، ويرى الكاتب أن التجارب السابقة تجعل من الخطأ التعويل بصورة كاملة على مواقف القوى الدولية في حماية المصالح العربية.

ويمتد هذا الطرح إلى دعوة العرب إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن الجماعي، إذ يطرح الكاتب تساؤلات حول جدوى اتفاقية الدفاع المشترك، ومدى قدرة الدول العربية على بناء موقف موحد في مواجهة الملفات التي تمس الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية للمنطقة.

وتكشف هذه النقطة عن البعد الأوسع في المقال؛ فالقضية بالنسبة للكاتب لا تتوقف عند مياه النيل، وإنما ترتبط بما يعتبره تراجعًا عربيًا في التعامل مع التحديات الإقليمية، مقابل صعود أدوار دول وقوى خارجية تسعى إلى توسيع نفوذها في المنطقة.

وفي النهاية، يمكن قراءة مقال علي محمد الشرفاء الحمادي باعتباره رسالة تحذيرية تركز على ضرورة التعامل مع الأمن المائي باعتباره قضية أمن قومي لا تحتمل التهاون، وبينما يتضمن المقال عددًا من الآراء والتفسيرات السياسية والتاريخية التي تحتاج إلى التحقق من مصادرها وعدم التعامل معها كحقائق مسلّم بها، فإن فكرته الأساسية تظل مرتبطة بسؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن حماية حقوق دول المصب وضمان ألا يتحول التحكم في موارد المياه العابرة للحدود إلى وسيلة للضغط أو الصراع؟

وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية والتفاوض والاتفاقات الملزمة، إلى جانب امتلاك الدول لقدراتها الذاتية في إدارة مواردها وحماية مصالحها، لأن قضية النيل في النهاية ليست مجرد ملف سياسي عابر، بل قضية ترتبط بحياة ملايين البشر وبمستقبل الاستقرار في المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);