مقالات

علاء عبدالله يكتب: من إندونيسيا إلى العالم.. فكر الشرفاء الحمادي يدخل دائرة الحوار الأكاديمي

لم تعد الأفكار الإصلاحية حبيسة حدود المكان الذي ولدت فيه، خصوصًا عندما ترتبط بقضايا تتجاوز الجغرافيا والثقافة، مثل السلام والتعايش والعدل وتصحيح المفاهيم الدينية، وهذا ما يمكن قراءته بوضوح في التحرك الجاري داخل إندونيسيا حول فكر المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، حيث انتقل الاهتمام بأفكاره من مجرد التعريف بها إلى مرحلة أكثر أهمية تتمثل في فتح مساحة للنقاش الأكاديمي والفكري حولها.

ولا يبدو الاجتماع التحضيري الذي شهدته مدينة لامبونغ، استعدادًا لمؤتمر مرتقب حول فكر ورؤية الشرفاء الحمادي، مجرد نشاط ثقافي عابر، وإنما يعكس محاولة لوضع هذا الفكر أمام الباحثين والأكاديميين وأساتذة التفسير وعلوم القرآن وخريجي الأزهر، بما يسمح بقراءة مؤلفاته ومناقشة أطروحاته في إطار علمي يتجاوز التناول التقليدي.

واللافت هنا أن المؤتمر المرتقب لا يستهدف تقديم أفكار الشرفاء الحمادي باعتبارها مسلمات نهائية وإنما يفتح الباب أمام الحوار والنقاش حولها، وهذه نقطة مهمة في أي مشروع فكري؛ فالفكرة التي تدخل قاعات البحث والنقاش تصبح أمام اختبار مختلف عن مجرد تداولها في الخطاب العام، وهناك أسئلة، ومقاربات متعددة، وقراءات قد تتفق أو تختلف، لكن النتيجة في كل الأحوال هي توسيع مساحة الحوار.

جوهر الاهتمام، كما يظهر من تفاصيل التحرك، يدور حول رؤية تضع القرآن الكريم في مركز عملية تصحيح المفاهيم وبناء الوعي، مع التأكيد على أن العودة إلى القرآن لا تتوقف عند التلاوة، وإنما تمتد إلى فهم الهدايات والمقاصد وتحويل القيم القرآنية إلى سلوك وممارسة في حياة الإنسان والمجتمع.

وهنا تظهر واحدة من أبرز نقاط قوة هذا التحرك؛ فالقضايا التي يجري طرحها ليست منفصلة عن الواقع، وإنما ترتبط بأسئلة شديدة الحضور في المجتمعات المعاصرة: كيف يمكن تعزيز السلام؟ كيف يمكن مواجهة التطرف والعنف؟ كيف يمكن ترسيخ التعايش؟ وكيف يمكن بناء خطاب ديني يركز على الرحمة والعدل والتسامح بدل أن يتحول إلى وسيلة للصراع والانقسام؟

هذه الأسئلة لا تخص مجتمعًا عربيًا وحده، بل تمتد إلى مجتمعات مختلفة، وهو ما يفسر إمكانية انتقال النقاش حول الفكر القرآني والإصلاحي إلى بيئة مثل إندونيسيا، بما تمثله من تنوع ثقافي وديني واتساع جغرافي ومؤسسات تعليمية وأكاديمية يمكن أن تستوعب مثل هذه الحوارات.

والأكثر دلالة أن التحرك لا يقتصر على مدينة واحدة؛ فبينما يجري الإعداد للمؤتمر في لامبونغ بجزيرة سومطرة، تتواصل أنشطة مؤسسة رسالة السلام العالمية في مالانغ بإقليم جاوة الشرقية، من خلال التواصل مع الجامعات والمعاهد والمؤسسات التعليمية، وهذا يعني أن المسألة تتحول تدريجيًا من فعالية منفردة إلى نشاط ممتد جغرافيًا وفكريًا.

ومن هنا يمكن قراءة التحرك باعتباره محاولة لبناء جسور بين الفكر والمؤسسات الأكاديمية، فالتواصل مع الجامعات وأساتذة التفسير وعلوم القرآن وخريجي الأزهر يضع المشروع أمام فئات تمتلك أدوات البحث والمناقشة، ويمنحه فرصة للانتقال من دائرة التعريف إلى دائرة الدراسة والتحليل.

كما أن اختيار إندونيسيا يضيف بعدًا آخر للمشهد؛ فالفكر عندما ينتقل إلى بيئة ثقافية مختلفة، فإنه يواجه أسئلة جديدة، ويحتاج إلى أن يثبت قدرته على التواصل مع قضايا الإنسان بعيدًا عن اختلاف اللغة والجغرافيا والتقاليد، فإذا كانت الرسالة الأساسية هي الرحمة والسلام والعدل والتعايش، فهي قيم إنسانية لا تتوقف عند حدود دولة أو شعب.

والرسالة التي تظهر في هذا التحرك هي أن الخطاب الديني يمكن أن يكون جزءًا من صناعة السلام الاجتماعي إذا أعاد ترتيب أولوياته حول القيم الجامعة للإنسان، فالمجتمعات لا تحتاج فقط إلى معرفة الأحكام، وإنما تحتاج كذلك إلى خطاب يساعدها على فهم معنى الرحمة، واحترام الآخر، ونبذ العنف، والابتعاد عن التطرف، وتحويل الاختلاف إلى مساحة للحوار بدل أن يصبح سببًا للعداء.

وهذا تحديدًا ما يجعل فكرة المؤتمر مهمة؛ لأنه يمكن أن يوفر مساحة تجمع بين النص والفكر والبحث الأكاديمي، بدل أن تبقى القضايا الدينية حبيسة الخطاب الأحادي، فالحوار الحقيقي لا يخشى الأسئلة، ولا يفترض أن الوصول إلى الحقيقة يتم من خلال صوت واحد، وإنما يفتح المجال أمام البحث والمقارنة والنقد والتأمل.

ومن اللافت أيضًا أن الحراك الجاري في إندونيسيا يجمع بين أكثر من دائرة: المؤسسات الثقافية، والأكاديميون، وأساتذة القرآن والتفسير، وخريجو الأزهر، والمهتمون بالدراسات القرآنية. وهذا التنوع يمكن أن يمنح النقاش المرتقب ثراءً أكبر، لأنه يضع الأفكار أمام خلفيات علمية وتجارب مختلفة.

وفي تقديري، فإن الأهمية الحقيقية لهذا التطور لا تكمن فقط في عدد الأنشطة أو المدن التي وصلت إليها المؤسسة، وإنما في الانتقال من مرحلة “التعريف بالفكر” إلى مرحلة “الحوار حول الفكر”، فالتوسع الجغرافي مهم، لكن الأهم منه هو أن تصبح الأفكار موضوعًا للدراسة والنقاش والتقييم، وهنا يمكن فهم التحرك المتزامن بين لامبونغ ومالانغ باعتباره محاولة لبناء حضور فكري أكثر اتساعًا داخل إندونيسيا، لا يعتمد على نشاط واحد، وإنما على التواصل المستمر مع المؤسسات التعليمية والثقافية.

كما أن المسافة الجغرافية بين المدينتين لم تمنع استمرار التنسيق، وهو ما يعكس رغبة واضحة في الحفاظ على تواصل الأنشطة وتوسيع نطاقها، وهذه التفاصيل ربما تبدو تنظيمية في ظاهرها، لكنها تكشف في مضمونها أن هناك تصورًا للتوسع التدريجي في الحضور الفكري والثقافي.

وفي النهاية، فإن المشهد الإندونيسي يطرح تجربة تستحق المتابعة، ليس فقط لأنها تقدم نموذجًا لانتقال مشروع فكري عربي إلى مساحة آسيوية واسعة وإنما لأنها تضع هذا المشروع أمام اختبار الحوار الأكاديمي الحقيقي، فالأفكار لا تصبح أكثر قوة لأنها تنتشر فقط، وإنما لأنها تستطيع أن تدخل إلى الجامعات، وتناقش في الندوات، وتخضع للبحث، وتواجه الأسئلة، وتجد من يختلف معها كما تجد من يتفق معها.

وإذا نجح المؤتمر المرتقب في لامبونغ في تحقيق هذه المعادلة، فإنه قد يتحول من مجرد مناسبة للتعريف بمؤلفات علي محمد الشرفاء الحمادي إلى محطة للحوار حول قضايا أكبر من شخص أو كتاب، قضايا تتعلق بمستقبل الخطاب الديني، ودور القرآن في بناء الوعي، وإمكانية توظيف القيم الدينية في تعزيز السلام والتعايش ومواجهة التطرف.

وفي المحصلة، فإن وصول هذا النقاش إلى جامعات ومعاهد ومؤسسات تعليمية في إندونيسيا يبعث برسالة واضحة: الأفكار الإصلاحية عندما تخرج من إطارها المحلي وتدخل إلى فضاء الحوار المفتوح، تصبح أمام فرصة أكبر للتفاعل والتطوير وإعادة القراءة، ويبقى الرهان الحقيقي على أن يتحول هذا الاهتمام إلى بحث علمي مستمر، وأن يكون المؤتمر بداية لمسار من الدراسات والمناقشات التي تتعامل مع فكر الشرفاء الحمادي بجدية وموضوعية، بعيدًا عن التقديس أو الرفض المسبق.

فالحوار هو الاختبار الحقيقي للأفكار، والجامعة هي المكان الطبيعي لهذا الاختبار، والقراءة النقدية هي الطريق الذي يجعل الفكر قابلًا للحياة والتطور. ومن إندونيسيا، يبدو أن مشروع الشرفاء الحمادي يدخل بالفعل مرحلة جديدة: مرحلة الانتقال من التعريف بالفكرة إلى وضعها على طاولة البحث والنقاش الأكاديمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);