مقالات

علاء عبدالله يكتب: امرأة بين عدالة القرآن وظلم الموروث.. عندما يكشف النص القرآني فجوةً صنعها الفقه الاجتماعي

يفتح مقال “امرأة بين عدالة القرآن وظلم الموروث” للمفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، بابًا شائكًا من أبواب النقاش الديني والاجتماعي، لا يتعلق بالمرأة وحدها، وإنما بطريقة فهم النصوص الدينية وكيف يمكن أن تتداخل معها قراءات بشرية تراكمت عبر التاريخ حتى أصبحت في بعض الأحيان أقرب إلى المسلمات التي يصعب الاقتراب منها بالنقد أو المراجعة.

الفكرة الأساسية التي يطرحها المقال تقوم على وجود فجوة بين ما يراه الكاتب عدلًا قرآنيًا واضحًا تجاه المرأة، وبين بعض الأحكام والتقاليد الفقهية التي ارتبطت بها عبر مراحل تاريخية مختلفة، وهو ما يضع القارئ أمام سؤال جوهري: هل كل ما وصل إلينا من أحكام تتعلق بالمرأة يمثل بالضرورة جوهر الرسالة القرآنية، أم أن جانبًا منه هو نتاج اجتهادات بشرية تأثرت بظروف المجتمعات التي نشأت فيها؟

ومن هنا تأتي أهمية الطرح الذي لا يكتفي بإعادة الحديث عن مكانة المرأة، وإنما يدعو إلى العودة إلى القرآن باعتباره المرجعية الأولى عند مناقشة القضايا التي تمس حقوق الإنسان والعلاقات الأسرية والاجتماعية.

ةيضع المقال قضية الطلاق في مقدمة الأمثلة التي يرى أنها تكشف حجم الإشكال بين النص القرآني وبعض الممارسات الفقهية المتوارثة، مشيرًا إلى أن التشريع القرآني جعل الطلاق قائمًا على قواعد وضوابط تحفظ الحقوق وتمنع الإضرار بأحد الطرفين، بينما نشأت لاحقًا بعض التصورات التي منحت الرجل مساحة واسعة في إنهاء العلاقة الزوجية بصورة لا تتفق، وفق رؤية الكاتب، مع المقاصد التي تؤكدها الآيات.

وهنا لا تكمن القضية فقط في الحكم الفقهي ذاته، وإنما في السؤال الأكبر حول كيفية انتقال بعض التفسيرات من كونها اجتهادات بشرية مرتبطة بزمانها إلى كونها أحكامًا نهائية لا تقبل النقاش، وهذه المسألة شديدة الحساسية، لأن الخلط بين النص المقدس وبين فهم الإنسان للنص قد يؤدي إلى تحميل القرآن نتائج لم يقل بها صراحة.

ويستشهد المقال بقضية أخرى تتعلق بالمرأة، وهي الحجاب، ليؤكد أن بعض الممارسات التي أصبحت مرتبطة في الوعي العام بالدين قد تكون بحاجة إلى إعادة قراءة في ضوء النص القرآني نفسه، بدل الاعتماد فقط على ما استقر في كتب الفقه أو العادات الاجتماعية.

والأهم في هذا الطرح أن الكاتب لا يتعامل مع القضية باعتبارها معركة ضد الدين، وإنما باعتبارها محاولة للتمييز بين القرآن بوصفه نصًا إلهيًا وبين الموروث البشري الذي تكون عبر قراءات واجتهادات بشرية قابلة بطبيعتها للنقاش والمراجعة، وهذا التفريق يمثل جوهر المقال، لأن المشكلة تبدأ عندما يصبح الموروث مساويًا للنص، وعندما يتحول الاجتهاد البشري إلى حقيقة مطلقة، ثم تستخدم تلك الحقيقة في تنظيم حياة الناس وعلاقاتهم وحقوقهم، حتى لو كانت بعض تفاصيلها محل خلاف أو قابلة لإعادة النظر.

ويذهب المقال إلى أن القرآن، في نظرته إلى المرأة، يقرر مبدأ المسؤولية المشتركة، ولا يجعل التفاضل بين الرجل والمرأة قائمًا على النوع الاجتماعي، وإنما على التقوى والعمل الصالح، وهذه الفكرة تعيد النقاش إلى مساحة أوسع من مجرد الحقوق القانونية؛ إلى قيمة الإنسان نفسها ومكانته باعتباره كائنًا مكلفًا ومسؤولًا أمام الله.

واللافت أن المقال يستحضر قصة آدم وزوجه للتأكيد على أن المسؤولية عن الخطأ لم تحمل للمرأة وحدها، في مواجهة بعض التصورات الموروثة التي ربطت المرأة تاريخيًا بفكرة الإغواء أو أصل الخطيئة، ووفق القراءة التي يقدمها النص، فإن القرآن يتحدث عن مسؤولية مشتركة، وهو ما ينسف تحميل المرأة وحدها وزر الخطيئة الأولى.

وهذه النقطة تحديدًا تكشف أن القضية التي يناقشها المقال أعمق من مجرد خلاف حول حكم هنا أو تفسير هناك؛ إنها محاولة لإعادة تشكيل الصورة الذهنية عن المرأة في الخطاب الديني والاجتماعي، والبحث عن مدى اتساق تلك الصورة مع النص القرآني، فالمرأة، وفق هذا المنظور، ليست كائنًا تابعًا للرجل ولا طرفًا ثانويًا في المجتمع، وإنما إنسان كامل الأهلية والمسؤولية له حقوق وعليه واجبات، وتجمعه بالرجل رابطة التكامل والشراكة الإنسانية، لا علاقة التبعية المطلقة.

لكن المقال يذهب أبعد من ذلك عندما يطرح سؤالًا حول أثر الموروث الفقهي في تشكيل الواقع الاجتماعي، فالأفكار لا تبقى داخل الكتب وإنما تتحول مع الوقت إلى قوانين وعادات وممارسات، وقد تؤثر في تربية الأجيال وفي شكل العلاقة بين الرجل والمرأة داخل الأسرة والمجتمع، ولهذا فإن مراجعة الموروث ليست ترفًا فكريًا وإنما تصبح ضرورية عندما تتحول بعض التصورات التاريخية إلى مصدر لمعاناة حقيقية أو إلى مبرر لانتقاص حقوق فئة من المجتمع.

ومع ذلك، فإن هذه المساحة تحتاج إلى قدر كبير من الهدوء والموضوعية؛ لأن التعامل مع التراث الديني لا يمكن أن يكون بمنطق الرفض الكامل أو القبول الكامل، فالتراث حصيلة قرون طويلة من الاجتهاد والتفسير والتفاعل مع ظروف اجتماعية وسياسية وثقافية متغيرة، ومن الطبيعي أن يحتوي على اجتهادات متعددة، بعضها يعكس عصره أكثر مما يعكس بالضرورة واقع المجتمعات الحديثة.

وهنا تصبح العودة إلى النص الأصلي محاولة لفصل ما هو ثابت عما هو متغير، وما هو قرآني عما هو اجتهاد بشري، وما هو مبدأ أخلاقي عام عما ارتبط بظروف تاريخية محددة، ومن أهم ما يلفت النظر في المقال أنه لا يطرح المرأة باعتبارها قضية منفصلة عن مشروع إصلاح المجتمع، وإنما باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الخطاب الديني على تحقيق العدالة التي يتحدث عنها.

فإذا كان العدل قيمة مركزية، فإن تطبيقه يجب أن يظهر داخل الأسرة كما يظهر في المجتمع، وإذا كانت الكرامة الإنسانية أصلًا، فلا ينبغي أن تتوقف عند جنس الإنسان، وإذا كانت المسؤولية الفردية قاعدة قرآنية، فلا يجوز أن يتحمل أحد تبعات فعل لم يرتكبه لمجرد كونه امرأة أو رجلًا، وهنا تبرز أهمية إعادة قراءة بعض القضايا الحساسة بعيدًا عن الأحكام المسبقة. فالنقاش الحقيقي لا ينبغي أن يبدأ من سؤال “ماذا قال الموروث؟” فقط، وإنما من سؤال “ماذا يقول النص؟ وكيف نفهمه في سياقه ومقاصده؟”.

وهذه المقاربة هي التي تمنح المقال أهميته الفكرية، لأنها تدعو إلى فتح مساحة للحوار حول قضايا ظلت لفترات طويلة أسيرة التفسير التقليدي خاصة تلك المتعلقة بالمرأة والأسرة والعلاقة بين الرجل والمرأة، لكن قيمة أي مشروع لإعادة القراءة لا تقاس بقدرته على مخالفة المألوف فقط وإنما بقدرته على تقديم قراءة متماسكة ومقنعة للنصوص، قادرة على الصمود أمام النقاش العلمي وتحترم في الوقت ذاته تعدد المدارس والاجتهادات.

ومن هنا يمكن النظر إلى طرح الشرفاء الحمادي باعتباره دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات: القرآن أولًا ثم يأتي الاجتهاد البشري بوصفه فهمًا قابلًا للمراجعة، لا بوصفه نصًا مقدسًا فوق النقد، وهذا التفريق إذا جرى التعامل معه بموضوعية يمكن أن يفتح الباب أمام إصلاح فكري حقيقي، ليس هدفه هدم التراث وإنما تحرير النص القرآني من بعض القراءات التي قد تكون التصقت به عبر الزمن حتى أصبح من الصعب التمييز بينها وبينه.

وفي النهاية، فإن “امرأة بين عدالة القرآن وظلم الموروث” يطرح قضية تتجاوز حدود المرأة إلى سؤال أكبر يتعلق بعلاقة الإنسان بالنص الديني نفسه، وهل نقرأ النص للوصول إلى مقاصده أم نقرأه من خلال منظومة مسبقة ثم نبحث داخله عما يؤيدها؟، وهذا هو السؤال الحقيقي الذي يضعه المقال أمام القارئ.

فالمشكلة ليست في وجود التراث ولا في قيمة الاجتهادات التي قدمها العلماء عبر التاريخ، وإنما في تحويل الاجتهاد إلى مقدس، وفي إغلاق باب النقاش أمام أجيال جديدة تواجه ظروفًا وأسئلة لم تكن موجودة بالطريقة نفسها في الأزمنة السابقة، والمرأة ربما تكون أكثر القضايا التي تكشف هذه الإشكالية بوضوح، لأنها عاشت طويلًا بين نصوص تؤكد كرامتها وإنسانيتها ومسؤوليتها، وبين ممارسات وتصورات اجتماعية وفقهية جعلتها في أحيان كثيرة الطرف الأضعف في معادلة الأسرة والمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);