د. سهام عزالدين جبريل تكتب … الحرب الأمريكية على إيران والخليج بين مطرقة الصراع وسندان الموقع

لم يكن الخليج العربي يومًا مجرد مساحة جغرافية تفصل بين آسيا وشبه الجزيرة العربية، بل كان على الدوام قلبًا نابضًا للطاقة العالمية، وممرًا حيويًا للتجارة الدولية، وساحة تتقاطع فوقها مصالح القوى الكبرى. ومن هنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا:
من يدفع ثمن الجغرافيا؟
فمع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، لم تعد تداعيات الحرب تقتصر على طرفي الصراع، بل امتدت لتضع دول الخليج في قلب دائرة الخطر، رغم أن العديد منها يسعى إلى تجنب الانخراط المباشر في المواجهة. وتشير تحليلات عديدة إلى أن دول الخليج تواجه ضغوطًا أمنية واقتصادية متزايدة، وتسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على قنوات الحوار مع إيران وتجنب اتساع رقعة الحرب.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الجغرافيا قد تتحول من نعمة إلى عبء استراتيجي. فالقواعد العسكرية الأجنبية، والممرات البحرية الحيوية، ومنشآت إنتاج النفط والغاز، جميعها أصبحت أهدافًا محتملة في أي تصعيد عسكري، الأمر الذي يجعل دول الخليج تدفع تكلفة موقعها قبل أن تدفع تكلفة خياراتها السياسية.
ويمثل مضيق هرمز الحلقة الأخطر في هذه المعادلة،
إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية. وأي اضطراب في الملاحة أو تهديد بإغلاق المضيق ينعكس فورًا على أسعار الطاقة، وأسواق المال، وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما شهدته الأسواق مع تصاعد العمليات العسكرية وارتفاع أسعار النفط وسط المخاوف من تعطل الإمدادات.
ولعل المفارقة أن دول الخليج استثمرت خلال السنوات الماضية مليارات الدولارات في مشروعات التنويع الاقتصادي، والسياحة، والمدن الذكية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، إلا أن استمرار الحرب يهدد بإعادة الاعتبارات الأمنية إلى صدارة المشهد، ويؤثر في ثقة المستثمرين، ويرفع تكاليف التأمين والنقل والشحن.
كما كشفت الأزمة عن تحول مهم في التفكير الاستراتيجي الخليجي. فبدلًا من الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية، تتجه بعض دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدولية، وتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، مع الحفاظ على قنوات اتصال دبلوماسية مع مختلف الأطراف، إدراكًا منها أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبنى على المواجهة الدائمة وحدها.
أما الولايات المتحدة، فترى أن المواجهة مع إيران جزء من إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط وحماية مصالحها الاستراتيجية، بينما تعتبر إيران أن استهدافها يمثل تهديدًا لوجودها ودورها الإقليمي، فتسعى إلى توسيع دائرة الضغط عبر أدواتها العسكرية والسياسية، وهو ما يزيد من احتمالات اتساع رقعة الصراع.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تبقى الحقيقة الثابتة أن الخليج ليس هو من بدأ الحرب، لكنه قد يكون الأكثر تأثرًا بنتائجها. فالجغرافيا التي منحته الثروة والمكانة الدولية، فرضت عليه أيضًا أن يكون في مقدمة المتضررين كلما اشتعلت المنطقة.
لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الدول لا تختار مواقعها على الخريطة، لكنها تستطيع أن تختار كيفية إدارة هذا الموقع. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لدول الخليج لا يكمن فقط في تعزيز قدراتها العسكرية، وإنما في ترسيخ الدبلوماسية الوقائية، وبناء منظومة أمن إقليمي تقوم على الحوار، واحترام السيادة، وتوازن المصالح.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
إذا كانت الجغرافيا قدرًا لا يمكن تغييره، فهل تستطيع السياسة أن تخفف من كلفته، أم سيظل الخليج يدفع ثمن موقعه في كل مرة تتصارع فيها القوى الكبرى على أرض الشرق الأوسط؟






