حاتم عبدالهادي السيد يكتب :قراءة في مسرحية ” بذرة خير” لمجدي الشريف

تعيدنا مسرحيه “بذرة خير” لمؤلفها السيناوي أ. مجدي فتحي الشريف إلى مسرح الحياة، وبداية خلق الإنسان عبر فلسفه الخير والشر ،وهما المفهومان اللذان قامت عليهما فكرة الوجود والحياة، ومنظومة القيم والأخلاق الإنسانية النبيلة.
وتمثل المسرحية الغنائية الإستعراضية” بذره خير”- الشرائح المجتمعية المختلفة- عبر فكرتي البناء والهدم، وعبر دراما السرد التعليمي تارة، والقيمي تارة أخرى. والموجودين تارة ثالثة. وتدور المسرحية في الصحراء برمالها ، وسهولها وهضابها، عبر مجموعة من الشخوص تريد الخير عبر تعمير الصحراء، مقابل من يريدون استغلال أي خير لأنفسهم فقط، فهناك من يريد أن يزرع البذره لتنمو الشجرة، والزروع لتثمر، لتعود على البشرية بالخير . بينما هناك من يفكر في ذاته فقط ، ويؤثر المنفعة الخاصة ،على المنفعة العامة للمجتمع. ولقد قام المؤلف بتقديم مسرحية غنائية استعراضية تنشد جمالية درامية، وتقدم مسرحا تنمويا تعليميا، تراجيديا استعراضيا، دراما غاية في المتعة والتشويق، والإثارة أيضا.
والمسرح الغنائي الاستعراضي -كما نعرف- هو نوع من العروض المسرحية، تتداخل فيها عناصر الغناء والاستعراض مع العناصر الدرامية، ولا يمكن الفصل بينها، أو الاستغناء عنها، بحيث يصبح الغناء جزءًا لا يتجزأ من الدراما، ويتنوع بين الغناء الفردي والجماعي، سواء كان ملحنًا أو موقعًا، ويشكل الاستعراض أهمية كبيرة، حيث لا يهتم فقط بالرقص الشعبي، ولكن باستعراض المفردات التراثية، والتي تعبر عن الهوية الوطنية للمجتمعات المطروحة داخل النصوص الدرامية، ويعتمد على الإبهار والجماليات الفنية، وتتنوع مصادر موضوعاته بين التاريخي والشعبي والمعاصر -كما يقول المؤلف والمخرج المصري أ. أشرف عزب . والمسرح الإستعراضي الغنائي يقوم على حبكة درامية بسيطة تتيح الفرصة للغناء والاستعراض والموسيقى لتنمو على خشبة المسرح في شكل درامي مسرحي يشتبك مع الجمهور، وينشد تشاركيته كذلك، كما أرى..
لقد كانت الزراعة أول وسيلة في الحياة لإعمار الأرض، وقد مثلت شخصية ” زارع” الفلاح الذي ورث المهنة كابرا عن كابر، ليزرع الشجرة- والتي تمثل ” المعادل الموضوعي” لفكره الخير ، بينما كان النجار والصياد ،يفكران في قطع الشجرة، بغرض عمل “مركب بحري” يتقاسمان عبره الربح الوافر في الصيد، وإن كان هذا العمل يتناقض مع فكر باقي أفراد المسرحية، في زراعة الشجرة – الأنموذج – لتعمير الصحراء، لتكون قدوة، وعلامة يحتذي بها الجميع لزراعة الصحراء وتعمير المكان . وكان حلم الجميع أن يزورهم الملك ” كرياز ” وابنته ” الأميرة مليحة ” ليستحسنا مغامرة الشباب والرجال ،بل والأطفال لزراعة الصحراء الشاسعة، وجلب الخير لكل أفراد المملكة.
لقد صاغ الأستاذ / مجدي الشريف مسرحيته من خلال عرض
درامي غنائي استعراضي، واختار لأبطال المسرحية أطفالا وشبابا تتراوح أعمارهم بين الثلاث عشرة، والخامسة عشر عاما، إلى جانب الرجل العجوز والوزير وحاشيته، ليقوموا بتحدي الصعاب ،وتحويل الصحراء القاحلة إلى جنة عامرة بالزروع والأشجار المثمرة ،لذا جاء الإهداء للمؤلف في بداية المسرحية ليكشف عن الهدف الإنساني التعليمي، القيمي، الوطني النبيل، يقول : ( إلى كل من يعشق هذا البلد الأمين، أهديكم بذرة خير )، وكأنها دعوة من المؤلف والمخرج إلى الجمهور، وعامة الشعب، فهو يهديهم البذرة، أو الفكرة، وعلى الجميع المشاركة لزراعة هذه البذرة، والبذور لتعمير الصحراء القاحلة. وهي رسالة وطنية، إلى المخلصين والمحبين للأوطان ليزرعوا الخير للناس، وليقدموا الأنموذج الجميل لتقتدي به الأمم والأجيال القادمة.
إن غاية المسرح الغنائي الإستعراضي هو تقديم فكرة نافعة، وموضوع هادف، أو عمل غايته الإصلاح، وهو أيضا يتساوق ويتوازى مع المسرح الشكسبيري، والمسرح التعليمي، أو مسرح المستقبل الإستشرافي. إذ النص هنا غايته الإصلاح وتغيير المجتمع، وتنمية فكرتي الولاء والإنتماء، عبر غرس القيم النبيلة في نفوس الأطفال والشباب، وهي دعوة ناجعة إلى العمل، لبناء مجتمع الفضيلة، الذي تعلوه وترفرف فوق سمائه قيم الولاء والإنتماء والمحبة،والتي ستقابلها قيم الهدم والخراب والكراهية، لمن يسعون إلى تشويه الجمال على الأرض .
إنها مسرحية تتمحور حول الخير والشر ،عبر الرؤية البانوراميه الإصلاحية وغرس قيم الولاء وحب الأوطان في نفوس الشباب، وقد صاغ ذلك باللهجة المصرية العامية، يقول : ” امسك فاسك / وانزل شارك/ امارتنا محتاجة كتير / ازرع شجرة/ واحرس أرضك / من هنا بدأ التعمير / كتفي بكتفك/ مع لمتنا/ الخير بيزيد / نبني .. نعلي / يعلى كيانك/ وحكاوينا بكره نعيد) .
تدور دراما فكرة مسرحية عبر سينوغرافيا الحلم بالتغيير ،تبني وتحلم بالأفضل، مقابل فضحها للفساد والمفسدين، ممن يسعون لهدم كل الأحلام. وهي معركة ” البروليتاريا “-أيضا – مع الطبقة “الأستقراطية”،، والطبقة الحاكمة المستبدة” – في ظل تغييب دور الملك، حيث يستأثر الوزير وحاشيته، وطغمته المستبدة بالسلطة، التي تريد الإستحواذ على ثروة المملكة، والإستيلاء على مجهود عامة الشعب، وسرقه غراسه ،وجهوده لتحقيق الثروة الخاصة لهم، وهي سلطة تريد الثراء على حساب أحلام الفقراء والمهمشين، وعامة طبقات الشعب .
وعلى الرغم من بساطة وجمالية الطرح، دون إغراق في الرمز المفرط، عبر المسرح الغنائي الإستعراضي، إلا أن الرمز وجدناه يكمن في جوهر النص ،وعبر ثنايا العبارات المتناثرة، التي تنتقد الواقع بإيجابية بغرض التقويم، لا بغرض الإنتقاد من أجل النقد فقط . فغرض المؤلف والمخرج معا ، هو اعلاء الإيجابيات على حساب السلبيات ،واعلاء المصلحة العامة، على المصلحة الخاصة، وتسييد قيم الإبتكار والعمل، لتحقيق أحلام العامة، وتشجيع الفن الذي يبني المجتمع من خلال شخصية” حاكي ” ،الذي يهوى القراءة والقصص ويحلم بأن يكون مبدعا في المستقبل، وشخصية ” بارع ” الذي يعشق الرسم ،ويحلم بأن يكون ذلك الفنان التشكيلي الذي يرسم الشجرة وبجانبها الأميرة “مليحة” ابنة الملك، تلك الأميرة العطوف، ابنة الملك ” كرياز”، التي تحب الخير ،والعمل والإنتاج، وتخدم جميع الناس، وتكره الوزير ” كلكلان”- زوج أختها، المتسلط كذلك .
إن رمزية الشجرة تمثل محور المسرحية، التي تجسد الخير للبشرية، والشعب والمملكة.. فها هو العجوز الضرير يتعثر في الشجرة، في الجو الصحراوي الشديد الحرارة، القائظ، فنراه يتعجب من وجودها في هذه الصحراء الشاسعة، فيجلس تحتها، ليستظل بظلها وينام، ليظهر الصراع على أوجه، بين من يريد قطعها لعمل مركب في البحر، وتحقيق المصلحة الخاصة، وبين الجميع الذين يحلمون أن تكون الشجرة هنا أول فكرة جيدة لإستزراع الصحراء ،لتحقيق المصلحة العامة لسكان المملكة ، ولنلمح ملامح ذلك الخير الذي قدمته الشجرة، لأول عابر مر بجانبها، وهو ذلك العجوز ،يقول “الحاكي” عبر دراما السرد المتنامي : ( شفت ازاي يا نجار .. شفت يا صياد، الشجرة قدمت خير مع أول عابر يسير، أهو قدامكم.. أهه .. للشيخ الضرير عابر السبيل ) .
والشجرة هنا تمثل الحياة، إلا أن المؤلف حولها إلى شجرة مثيولوجية، أو شجرة الحكايات، الشاهدة على العصر، والعصور السالفة،، ولقد استخدم الخرافة الشعبية ، وحكايات الجان والأسطورة في الفكر الشعبي- والمعتقد بالتبرع بالأشجار، شجرة الخير، التي تشفي الناس- ببركة المولى عز وجل- التي وضع فيها أسرار العلاج للمرضى، وهي شجرة نادرة، وبذرتها قليلة في الأرض، لأنها شجرة الخير كله . لا تثمر إلا في الشرق الأوسط – كما تقول المسرحية- ليحيلنا إلى الرمز السياسي ، وهي شجرة الحواديت كذلك، وهنا تبدو الميثولوجيا والأساطير داخل “الحكاية المسرحية”،وكأن المؤلف يصنع الأسطورة عبر الحكاية، أو أنه يصنع الحدوتة الدرامية الشعرية الجميلة، التي يمتزج فيها الشعر مع المونودراما ،مع الاداء المتسارع الذي يسير بعجلة النص نحو تحقيق قيم نبيلة، والمناداة بإعمار الأرض، عبر أحداث واقعية ،وخيالية، وحقيقية مثل حكاية :” الصياد والأميرة الغنيه”، وحكاية ” الحيزبون أم عين غبية”، وحكاية” السلطان أبو عمة وجلابية”،وغيرها.
والشجرة هنا تمثل المعادل الموضوعي، والضمني معا، وتمثل الراوي التاريخي، والشعبي،فهي شجره تحكي تاريخ الحياة، شاهدة على كل العصور، تحكي حكايات الشعوب بمعتقداتها، وقيمهما، وعاداتها وتقاليدها ،وتكشف الفساد أيضا في المجتمعات، وحكايات الظلم والإستبداد العالمي،من خلال الحروب واحتلال الدول والممالك، والشرق الأوسط، للإستحواذ على كل مقدرات الثروة وفرض الهيمنة وارادة القوة، واحتلال الشعوب، وغير ذلك من الدلات التي تستدعيها رموز المسرحية .
لقد انتقل الكاتب/ مجدي الشريف ببراعة- من خلال رؤيا فنتازية مبتكرة، من الواقع إلى الخيال، عبر الميثولوجيا وحكايا الجان ،عبر المارد الذي يعطي سكان المملكة بذرة واحدة، من ” الشجرة المباركة ” وهي بذره العمار التي تنمو في أي مكان يحتاج إلى النور في الكون والعالم والحياة، وهي بذره تكون ملكا لكل الناس الطيبين ،حيث تكون لهم مددا وعونا، وهي بذرة نادرة تثمر، وتشفي المرضى، لتكون شجرة مباركة للجميع .
لقد وصفها المارد بأنها “شجرة الشرق الأوسط”، أو ” شجرة الوطن العربي ” الذي يريد نشر السلام والمحبة في جميع أنحاء العالم، ومحو الشر والأشرار، والحروب والإستعمار من الأرض، وكأن المسرحية تستشرف الواقع الحالي للشرق الأوسط في ظل الغرب والإمبريالية الصهيو- أمريكية لإحتلال وتقسيم الشرق الأوسط ، والإستيلاء على ثروته ونفطه، ومقدراته بشكل عام.
إنها معركة الخير والشر، الحرب والسلام، الظلم والإستعمار مقابل السلام والحرية للشعب الذي ينتظر حياة رغيدة آمنة، وسلام عالمي ممتد.
والشجرة تمثل السلام النفسي والجسدي للبشر، فهي شجرة تثمر الخير، فقد أكل منها الشيخ وتعافى، فهي للجميع،دون استحواذ من سلطة، أو من أفراد جشعين يريدون بالحياة والشكر والخداع، والبلطجة، الإستحواذ على الثمار، وبيعها للبشر بأغلى الأسعار، لكنها شجرة الخير، لا تعطي خيرها للأشرار، يقول :
( بسم الله الشافي العافي
سيدنا الشيخ بقى متعافي
أكل الثمرة بنفسه الراضية
ساب عكازه بقى كالمهرة
حلم سنين … في دقيقتين
عقبال كل مريض يحضرنا).
إنها لغة بسيطة، لكنها لغة رامزة، تستوعب المعنى العام، وتعبر عنه عبر هارموني سلسال، يظهر المعنى القريب، وجوهر المعنى كذلك.
وتأبى طبيعة البشر سوى الصراع للإستحواذ على مقدرات الحياة والثروة، فرأينا الصياد والنجار يتنازعان للحصول على خير الشجرة، ويعلم الوزير كلكلان بالأمر فيستولى على الشجرة ويتمرد على المملكة، ويقوم الملك بعزله، وتأتي الصدمة بموت الشجرة / الحلم، وتقوم الثورة على الظلم وتستبدل أعلام المملكة السوداء بأعلام خضراء كدلالة إلى الخير والنصر والنهضة من جديد .
لقد تحررت المملكة، وظلت الفكرة موجودة، لأن الإرادة والعمل والأحلام لا تنته، فتقوم الأميرة مع الشعب بزراعة الصحراء، وتدور عجلة الإنتاج والحياة من جديد.
تتنهي المسرحية بأن تطلب الاميرة مليحة من (بارع) -الذي كان يحبها- بأن يكون مهرها إعادة إصلاح أمر المملكة، وزراعة الصحراء،وبناء المصانع ،وافتتاح مدارس للتعليم ،ليظل العمل والعلم عنوانا الإمارة، ورمزا لكل نهضة مجتمعية، وتنتهي المسرحية، أو الحكاية المثيولوجية، أو الدراما التراجيدية الإنسانية هنا بفكرة التغيير، والثورة على الظلم، والدعوة للعمل والتعاون والإنتاج من خلال نهاية غنائية استعراضية: ” كل يمسك بالفأس والمحراث، الكل يعمل بجد واجتهاد، وعرق وكفاح، من أجل بناء الوطن/ المملكة/ المجتمع/ الحياة.
إنها مسرحيه تدعو للنور ليجابه الظلام، والعدل لمجابهه القوة والتسلط والاستبداد والظلم، والخير لمجابهه الشر، والعمل والتعاون والتشارك المجتمعي لتحقيق الأحلام، وبناء المجتمعات الفاضلة على مبادئ الحق والخير والجمال والحرية ،والحب.
في النهاية: لقد نجح الأستاذ/ مجدي فتحي الشريف في تقديم مسرحية استعراضية غنائية، هادفة، تدعو الى تعمير وتنمية المجتمعات، عن طريق التغيير عبر الفن، والحب والتعاون ،وإعلاء قيم الإنسانية الفاضلة التي تدعو إليها الأديان جميعا، ليتحقق الخير والسعادة لكل البشر، عبر الكون والعالم والحياة.






