الأستاذ الدكتور طه محمد القَلَّا: (معجزة الإسراء والمعراج) «قراءة إعلامية في الدوافع والمقاصد والمقام المحمدي»

الحمد لله رب المحيي من العدم، والصلاة والسلام على صاحب التاج والمعراج والبراق والعلم ﷺ، أما بعد.
فإن معجزة الإسراء والمعراج تمثل علاقة فارقة في السيرة النبوية؛ ليس فقط لما تحمله من طابع إعجازي خارق، بل لما تنطوي عليه من دلالات عقدية وإنسانية عميقة، تكشف عن سنن الله في الابتلاء والتكريم، وعن المكانة الفريدة للنبي محمد ﷺ عند ربه، وذلك من خلال العناصر التالية:
1- سياق الحدث ودوافعه:
وقعت معجزة الإسراء والمعراج في توقيت بالغ الدلالة؛ بعد عام الحزن، حيث فقد النبي ﷺ زوجته خديجة رضي الله عنها، وعمه أبا طالب، واشتد عليه أذى قريش وتكذيبها، حتى بدا المشهد – بمنطق البشر – طريقًا مسدودًا لا أفق بعده، وكذلك بعد محنة الطائف والأذي الشديد الذي تعرض له النبي ﷺ.
غير أن السنن الإلهية تخالف الحسابات الأرضية؛ فحين تشتد المحنة، يكون التهيؤ للمنحة، وحين يضيق الأفق بالبلاء، تتسع السماء بالعافية.
لذا؛ جاءت هذه المعجزة تثبيتًا لقلب النبي ﷺ، وتكريمًا له، وتأكيدًا أن ما يمر به من معاناة ليس خذلانًا، بل اصطفاءً وتمهيدًا لمرحلة جديدة من مسيرة الدعوة، تتجاوز حدود البيئة المحلية إلى آفاق الرسالة العالمية.
وفي هذا يقول الشاعر:
أنت الذي من نورك البدر اكتسى
و الشمـس مشـرقـةٌ بـنــور بهـاك
أنت الـذي لمـا رُفعـت إلى السمـا
بـك قـد سمـت و تزينـت لسـراك
أنـت الـذي نــاداك ربـك مـرحبـا
و لـقـد دعـــاك لقــربـه و حـبـاك
أنت الـذي فينـا سـألـت شفـاعـة
نــاداك ربــك لــم تـكـن لـســواك
2- تسلسل الأحداث ودلالاتها:
بدأت المعجزة بالإسراء ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، في انتقال مقصود يربط بين مهبط الوحي الأول، وموطن الرسالات السابقة، ويؤكد وحدة المصدر الإلهي، واستمرار المسيرة النبوية عبر التاريخ.
ثم كان المعراج إلى السماوات العلى، حيث التقى النبي ﷺ بالأنبياء، وصلى بهم إمامًا في المسجد الأقصى، وذلك مشهد رمزي بالغ العمق، يُعلن انتقال القيادة بألوانها للبشرية إلى الرسالة الخاتمة.
وفي ذروة هذه الرحلة، بلغ النبي ﷺ مقامًا لم يبلغه أحد من الخلق، حيث توقف جبريل عليه السلام، وتقدم النبي ﷺ وحده، في دلالة صريحة على خصوصية المقام المحمدي، وسمو منزلته عند الله تعالى.
وفي هذا يقول الشاعر:
سَرَيْتَ مِنْ حَرَمٍ لَيْلًا إِلَى حَرَمِ .. كَمَا سَرَى الْبَدْرُ فِي دَاجٍ مِنَ الظُّلَمِ.
وَبِتَّ تَرْقَى إِلَى أَنْ نِلْتَ مَنْزِلَةً .. مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ لَمْ تُدْرَكْ وَلَمْ تُرَمِ.
وَقَدَّمَتْكَ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ بِهَا .. وَالرُّسْلِ تَقْدِيمَ مَخْدُومٍ عَلَى خَدَمِ.
وَأَنْتَ تَخْتَرِقُ السَّبْعَ الطِّبَاقَ بِهِمْ .. فِي مَوْكِبٍ كُنْتَ فِيهِ صَاحِبَ الْعَلَمِ.
حَتَّى إِذَا لَمْ تَدَعْ شَأْوًا لِمُسْتَبِقٍ .. مِنَ الدُّنُوِّ وَلَا مَرْقًى لِمُسْتَنِمِ.
خَفَضْتَ كُلَّ مَقَامٍ بِالْإِضَافَةِ إِذْ .. نُودِيتَ بِالرَّفْعِ مِثْلَ الْمُفْرَدِ الْعَلَمِ.
كَيْمَا تَفُوزَ بِوَصْلٍ أَيِّ مُسْتَتِرٍ .. عَنِ الْعُيُونِ وَسِرٍّ أَيِّ مُكْتَتِمِ.
فَحُزْتَ كُلَّ فَخَارٍ غَيْرِ مُشْتَرَكٍ .. وَجُزْتَ كُلَّ مَقَامٍ غَيْرِ مُزْدَحَمِ.
وَجَلَّ مِقْدَارُ مَا وُلِّيتَ مِنْ رُتَبٍ .. وَعَزَّ إِدْرَاكُ مَا أُولِيتَ مِنْ نِعَمِ.
بُشْرَى لَنَا مَعْشَرَ الْإِسْلَامِ إِنَّ لَنَا .. مِنَ الْعِنَايَةِ رُكْنًا غَيْرَ مُنْهَدِمِ.
3- المقاصد العقدية والتشريعية:
لم تكن هذه المعجزة استعراضًا للخوارق فقط، بل حملت جملة من المقاصد الكبرى، من أبرزها تأكيد المنزلة الرفيعة للنبي ﷺ، وتثبيت المؤمنين في أوقات الشدة، وربط قلوبهم برب السماء والأرض، ومن أعظم ثمار هذه الرحلة:
*_تشريع الصلاة، التي فُرضت في هذا المقام العلوي، لتكون الصلة الدائمة بين العبد وربه، ومعراجًا روحيًا يوميًا لأمة الإسلام، يعيد التوازن للنفس، ويجدد معنى القرب الإلهي في حياة المؤمن.
*_كما وضعت المعجزة الرسالة الإسلامية في إطارها الكوني، بوصفها خاتمة لمسيرة النبوات، لا امتدادًا زمنيًا فحسب، بل قيادة روحية جامعة للإنسانية.
4- المقام المحمدي في ضوء القرآن:
يبرز القرآن الكريم شرف النبي ﷺ في سياق الإسراء بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، حيث جاء وصف العبودية ليؤكد أن أسمى مقامات التشريف هو كمال العبودية لله، كما تشير آيات سورة النجم إلى درجة القرب التي بلغها النبي ﷺ، وهي منزلة عقدية ثابتة، دل عليها النص القرآني، وأجمع عليها أهل العلم.
5- الترابط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى:
يمثل الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى جسرًا روحيًا ومعنويًا بين مهبط الرسالة وبداية الدعوة، وبين امتدادها في الأرض المباركة التي شهدت رسالات الأنبياء السابقين.
فالمسجد الحرام رمز البداية، حيث بدأ الوحي بالإعلان والتأسيس، والمسجد الأقصى رمز الاستمرارية والتكامل، حيث اتحدت مسيرة النبوة في رسالة واحدة.
إن هذا الربط لا يعكس مجرد انتقال مكاني، بل يحمل دلالات عقدية عميقة: إعلان الرسالة الخاتمة المهيمنة على كل الرسالات، والتأكيد على أن الدعوة الإسلامية خاتمة للنبوات، وأن النبي ﷺ جاء ليجمع بين أبعاد العبادة، والقرب الإلهي، والقيادة الروحية الشاملة للبشرية، في إطار مكانين قدسهما الله وجعلهما قبلةً للأمة.
وفي الختام:
تكشف معجزة الإسراء والمعراج أن شدة الفرج مع شدة البلاء، وأن حلاوة التكريم تولد من رحم المعاناة، فهي ليست مجرد قصة تُروى، بل رسالة وعي وبناء، تؤكد ندرة المقام المحمدي، وعالمية الرسالة الإسلامية، وعمق ارتباطها بالبعد الغيبي والتكليف العملي، بما يجعلها حاضرةً في وجدان الأمة، وفاعلة في تشكيل وعيها عبر العصور.
بقلم الأستاذ الدكتور/ طه محمد القَلَّا.
عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر الشريف.





