
كتبت: رانيا سمير
في مفارقة يصعب تجاوزها، تعود بريطانيا اليوم إلى قلب القضية الفلسطينية لا بوصفها وسيطا أو مراقبا دوليا، بل بصفتها طرفا تاريخيًا أصيلًا في صناعة المأساة. ففي الوقت الذي دعا فيه نحو 60 نائبًا من حزب العمال البريطاني، بينهم نواب من التيارَين الوسط واليسار، حكومة بلادهم إلى الاعتراف الفوري بدولة فلسطين، تتصاعد الانتقادات بشأن ما وصفه هؤلاء النواب بالتطهير العرقي الجاري في قطاع غزة، بعد إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي عن خطط لإجبار جميع سكان غزة على العيش قسرًا في مخيم على أنقاض مدينة رفح المدمرة.
لكن هذه الدعوة الجديدة لا يمكن قراءتها دون العودة إلى الجذور الأولى للمأساة، حين أصدرت بريطانيا في عام 1917 “وعد بلفور”، الذي تعهدت فيه بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، دون أي اعتبار لوجود الشعب الفلسطيني على أرضه، ولا لحقوقه التاريخية أو السياسية.
لقد كان وعد بلفور في جوهره مشروعًا استعماريًا لا يختلف كثيرًا عن مشاريع الاحتلال التقليدية، إلا أنه تميز بطابعه الإحلالي، القائم على اقتلاع السكان الأصليين لصالح مستوطنين جدد. لم يكن المسعى البريطاني مجرد وعد لليهود بوطن، بل كان خطة ممنهجة لإقامة كيان سياسي في قلب المشرق العربي، يخدم مصالح الغرب، ويؤسس لقرن من الصراع الدموي الذي لا يزال مستمرًا إلى اليوم.
واليوم، وبعد مرور أكثر من قرن على ذلك الوعد المشؤوم، تقف بريطانيا أمام لحظة محاسبة مؤجلة، لحظة تتقاطع فيها ضغوط التاريخ مع وقائع الحاضر. فبينما يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي قصفه العنيف لغزة، ومع استمرار تهجير السكان من شمال القطاع إلى جنوبه، ثم تهديدهم بالترحيل من رفح نفسها، ترتفع أصوات داخل البرلمان البريطاني محذّرة من أن ما يجري على الأرض لا يمكن وصفه إلا بكونه تطهيرًا عرقيًا مكتمل الأركان.
في رسالتهم إلى وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، أعرب النواب عن “قلق بالغ وإلحاح شديد” تجاه تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، الذي أعلن عن خطة ترحيل جماعي للمدنيين الفلسطينيين إلى مخيم مغلق في رفح، دون أن يُسمح لهم بالخروج، وهو ما وصفه المحامي الإسرائيلي المتخصص في حقوق الإنسان مايكل سفارد بأنه “خطة تنفيذية لارتكاب جرائم ضد الإنسانية”، مؤكّدًا أن الغرض منها هو التمهيد لتهجير الفلسطينيين إلى خارج القطاع بالكامل.
أضافوا النواب البريطانيون في رسالتهم أن هذا الوصف الدقيق لا يغني عن تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية، فالمخطط الإسرائيلي ليس سوى تطهير عرقي معلن، يتم تحت غطاء الحرب، ويستهدف اجتثاث الشعب الفلسطيني من أرضه، وفرض واقع جديد بالقوة.
كشفت صحيفة “الجارديان” البريطانية الرسالة،والتي تضمنت دعوة واضحة وصريحة للاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، معتبرة أن الاستمرار في تجاهل هذا الاعتراف يُقوّض سياسة بريطانيا الرسمية التي تدّعي دعم حل الدولتين، ويؤدي عمليًا إلى شرعنة ضم الأراضي الفلسطينية ومحوها من الجغرافيا السياسية.
وفيما تعهدت الحكومة البريطانية الجديدة ببعض الخطوات، مثل تمويل وكالة “الأونروا” والعمل على إطلاق سراح المحتجزين لدى حماس، إلا أن النواب يرون أن ذلك غير كافٍ، مطالبين بقرارات أكثر جرأة، من بينها فرض حصار تجاري على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، واتخاذ خطوات دبلوماسية أكثر صرامة لوقف سياسات الاحتلال.
تزامنت الدعوة البريطانية مع تصريح مماثل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، عبّر فيه عن دعم بلاده لخطوات دولية أكثر فاعلية تجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
كل ذلك يأتي في سياق سياسي يتغيّر، وإن ببطء، داخل أوروبا، التي بدأت بعض أصواتها تعترف علنًا بفشل النهج القديم في إدارة الصراع، وبأن غضّ الطرف عن جرائم الاحتلال لم يعد ممكنًا في ظل توثيق مستمر لانتهاكات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
لكن، هل سيكون الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين أكثر من مجرد خطوة رمزية؟ سؤال مفتوح على احتمالات كثيرة. إلا أن ما لا شك فيه أن لحظة الاعتراف، إن جاءت فعلًا، ستشكّل مفصلًا تاريخيًا، إذ إنها ستصدر عن الدولة التي كانت أول من منحت وعدًا بقيام إسرائيل، في اعتراف يبدو وكأنه تصحيح متأخر لمسار طويل من الانحياز والخذلان.
إلا أن الفلسطينيين، وهم يواجهون اليوم أعنف مراحل نكبتهم المستمرة، لا يبحثون فقط عن اعتراف سياسي، بل عن عدالة تاريخية، وعن نهاية لنظام الفصل العنصري والاحتلال. فالتاريخ، وإن تكرّر، لا يُسامح، والشعوب، وإن طال صبرها، لا تنسى.






