“اليوم الثالث”.. أيمن حافظ عفره يكتب :يناير رسائل سماوية للوحدة والتكاتف

في لحظات التحول الكبرى لا تاتي الرسائل صدفة ولا تتقاطع الرموز عبثا وياتي شهر يناير محملا بدلالات سياسية ووطنية عميقة حين يجمع بين مناسبتين من اقدس المناسبات السماوية عيد الميلاد المجيد وذكرى الاسراء والمعراج ليبعث برسالة واضحة المعنى ان الاوطان لا تبنى الا بالوحدة ولا تحمى الا بالتكاتف
في زمن تتصاعد فيه محاولات تفكيك الدول من الداخل عبر بث الفتن الطائفية واشعال الانقسامات المجتمعية تبدو هذه المصادفة الزمنية بمثابة تذكير سياسي بان قوة الدولة الوطنية تكمن في نسيجها الاجتماعي الواحد فمصر التي عرفت عبر تاريخها الطويل معنى الدولة لم تكن يوما وطنا لطائفة او دينا بل كانت دائما وطنا جامعا تتساوى فيه المواطنة قبل اي انتماء اخر
عيد الميلاد المجيد بما يحمله من قيم السلام والمحبة لا يخص ابناء الكنيسة وحدهم بل يمثل ركنا اصيلا من اركان الهوية الوطنية المصرية تماما كما تمثل ذكرى الاسراء والمعراج حدثا محوريا في الوعي الاسلامي بما تحمله من معاني الايمان والصبر والارتقاء وحين يجتمع الحدثان في شهر واحد فان الرسالة السياسية تتجاوز البعد الديني الى فضاء اوسع ان التعدد ليس ضعفا بل مصدر قوة واستقرار
السياسة الرشيدة لا تدار بالشعارات وانما تبنى على فهم عميق لطبيعة المجتمع ومن هنا فان استدعاء هذه الرموز السماوية في لحظة سياسية دقيقة يفرض على النخب والقوى الوطنية مسؤولية مضاعفة في حماية الوعي العام من محاولات الاستقطاب والعمل على ترسيخ مفهوم الدولة المدنية الحديثة التي تحترم الاديان وتعلو فيها قيمة المواطنة فوق كل اعتبار
لقد اثبتت التجربة المصرية ان كل محاولات اللعب على وتر الدين كانت بوابة للفوضى وان الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية هو خط الدفاع الاول في مواجهة التحديات الاقليمية والدولية سواء كانت اقتصادية او امنية او سياسية فلا يمكن لدولة تسعى للاستقرار والتنمية ان تسمح بتسلل خطاب الكراهية او الاقصاء تحت اي مسمى
ان يناير بما يحمله من رمزية دينية وتاريخية يعيد التاكيد على ان المشروع الوطني لا ينجح الا بتكامل ابنائه مسلمين ومسيحيين خلف هدف واحد هو حماية الدولة ودعم مؤسساتها وبناء مستقبل يليق بتاريخ هذا الوطن فالوحدة ليست خيارا تكتيكيا بل ضرورة استراتيجية والتكاتف ليس شعارا موسميا بل ممارسة يومية تفرضها لحظة سياسية معقدة
وهكذا تاتي رسائل السماء في يناير لتذكرنا بان السياسة حين تنفصل عن القيم تفقد معناها وان الوطن حين تتماسك اطرافه يصبح عصيا على الانكسار





