علاء عبدالله يكتب: “معركة الأمة الأخيرة”.. حين يتحول التاريخ إلى خريطة طريق لإنقاذ المستقبل العربي

لا يكتفي المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في كتابه الجديد “بقيادة جمهورية مصر العربية.. معركة الأمة الأخيرة.. من حلم الوحدة إلى مشروع الإنقاذ العربي” باستعراض محطات التاريخ العربي الحديث، بل يطرح قراءة تتجاوز حدود التوثيق إلى محاولة فهم أسباب الإخفاق واستشراف ملامح مشروع عربي جديد قادر على التعامل مع تحديات الحاضر وصناعة المستقبل.
تكمن أهمية هذا الإصدار في أنه لا يتعامل مع الأحداث الكبرى التي مرت بها المنطقة باعتبارها وقائع منفصلة، وإنما يربط بينها في سياق تاريخي وسياسي واحد، يبدأ من مشروع القومية العربية بعد ثورة يوليو 1952 مرورًا بمحطات مفصلية مثل الوحدة المصرية السورية، حرب اليمن، نكسة 1967، وانتصار أكتوبر، وصولًا إلى التحولات التي شهدها العالم العربي خلال العقود الأخيرة، ومن خلال هذا الربط، يسعى المؤلف إلى تقديم تفسير أعمق لما آلت إليه أوضاع المنطقة بعيدًا عن القراءة التقليدية التي تكتفي بسرد الوقائع.
ويبرز الكتاب رؤية واضحة لمكانة الدولة الوطنية، إذ يؤكد الشرفاء أن استقرار الدول العربية يمثل حجر الأساس لأي مشروع نهضوي مع منح مصر مساحة خاصة باعتبارها، من وجهة نظره، مركز الثقل العربي وصاحبة الدور المحوري في الحفاظ على توازن المنطقة، ويستند في ذلك إلى قراءة للمتغيرات التي شهدتها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، معتبرًا أن الحفاظ على مؤسسات الدولة ومواجهة الإرهاب واستعادة الاستقرار تمثل عناصر رئيسية في بناء نموذج يمكن الاستفادة منه عربيًا.
ولا يقف الكتاب عند حدود السياسة، بل يوسع مفهوم الأمن القومي العربي ليشمل الاقتصاد والإعلام والثقافة والفكر وحروب المعلومات في إشارة إلى أن التحديات الحديثة لم تعد عسكرية فقط، وإنما أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا وهو ما يستدعي تطوير أدوات المواجهة وبناء رؤية عربية أكثر شمولًا.
ومن أكثر الجوانب التي تستحق التوقف عندها أن المؤلف لا يكتفي بتشخيص الأزمات، بل ينتقل إلى طرح حلول عملية تشمل إعادة هيكلة جامعة الدول العربية، تطوير آليات العمل العربي المشترك، تعزيز التكامل الاقتصادي، وإنشاء مؤسسات مالية وتنموية عربية قادرة على استثمار الإمكانات المشتركة وتحويلها إلى مشروعات تنموية تخدم المواطن العربي، في وقت أصبحت فيه القوة الاقتصادية أحد أهم معايير النفوذ الدولي.
كما يلفت الكتاب الانتباه إلى أن النهضة لا يمكن أن تتحقق بالموارد وحدها، وإنما تحتاج إلى إدارة رشيدة، رؤية استراتيجية، بناء الإنسان، وترسيخ قيم العدالة والحوار والمشاركة المجتمعية، وهي أفكار تشكل امتدادًا للمشروع الفكري الذي يطرحه الشرفاء في مؤلفاته، والذي يربط بين الإصلاح الفكري والإصلاح السياسي والتنمية الشاملة.
وفي المجمل، يقدم “معركة الأمة الأخيرة” قراءة تدعو إلى مراجعة التجارب العربية السابقة بروح نقدية، ليس بهدف استدعاء الماضي، وإنما لاستخلاص الدروس التي تساعد على بناء المستقبل، فالكتاب يراهن على أن العالم العربي يمتلك من الإمكانات البشرية والاقتصادية ما يؤهله لاستعادة دوره، شريطة أن تتحول فكرة العمل العربي المشترك من شعار سياسي إلى مشروع عملي يقوم على التخطيط، التكامل، وإعلاء المصالح المشتركة.
ويأتي هذا الإصدار ليؤكد أن القضايا المصيرية لا تحسم بالشعارات أو ردود الأفعال، بل برؤية واضحة وإرادة قادرة على تحويل الأفكار إلى سياسات، والتحديات إلى فرص، وهو ما يجعل الكتاب إضافة جديدة للنقاش الدائر حول مستقبل المنطقة العربية، ودور الدولة الوطنية في مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.





