مقالات

علاء عبدالله يكتب: هل الدعاء كلمات تقال أم عمل يغير الواقع؟.. قراءة في رؤية الشرفاء الحمادي لمفهوم الدعاء

لطالما ارتبط مفهوم الدعاء في أذهان الناس بكونه وسيلة لطلب الأمنيات أو دفع البلاء، حتى أصبح كثيرون ينظرون إليه باعتباره فعلًا يقتصر على رفع اليدين وترديد الكلمات، لكن القراءة التي يقدمها المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي تحاول أن تعيد صياغة هذا المفهوم من زاوية مختلفة، إذ ترى أن الدعاء لا ينفصل عن الحركة والعمل بل يبدأ منهما،فالدعاء، وفق هذه الرؤية، ليس حالة انتظار لما سوف يحدث، وإنما هو بداية رحلة يسلك فيها الإنسان طريق السعي مستعينًا بما أودعه الله في الكون من قوانين وسنن.

وتنطلق القراءة من آية: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾، لكنها لا تتوقف عند وعد الاستجابة الإلهية بل تلفت الانتباه إلى تكملة الآية:﴿فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي﴾، معتبرة أن الاستجابة ليست طريقًا ذا اتجاه واحد، وإنما علاقة متبادلة بين وعد الله واستجابة الإنسان بالعمل والالتزام بالمنهج، ومن هنا، يتحول الدعاء من مجرد طلب إلى مسؤولية ومن أمنية إلى ممارسة يومية.

وتتوسع القراءة في تفسير معنى الدعاء باعتباره استدعاءً لسنن الله في الكون، فليس المطلوب – بحسب هذا الفهم – أن يردد الإنسان أسماء الله الحسنى فحسب، بل أن يجعلها حاضرة في سلوكه وأفعاله. فمن يدعو الله باسمه “الرزاق” لا يكتفي بالدعاء، بل يسعى في طلب الرزق الحلال، ومن يرجو العلم يتحرك للتعلم والبحث، ومن يطلب الشفاء يلتزم بأسباب العلاج، ليصبح الدعاء والعمل وجهين لحقيقة واحدة.
وتقدم هذه الرؤية أمثلة عملية تؤكد هذا المعنى؛ فالفلاح الذي يزرع أرضه، والباحث الذي يقضي سنوات في معمله، والمريض الذي يلتزم بخطته العلاجية، جميعهم – وفق هذا التصور – يمارسون صورة من صور الدعاء، لأنهم يأخذون بالأسباب التي أودعها الله في الكون للوصول إلى النتائج، ويستند الطرح في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، باعتبار أن السعي هو الطريق الذي تجري من خلاله السنن الإلهية.

وفي الوقت نفسه، لا تنكر القراءة وجود حالات استثنائية يعجز فيها الإنسان عن الأخذ بالأسباب، فتشير إلى دعاء المضطر باعتباره حالة خاصة تتجلى فيها الرحمة الإلهية بصورة مباشرة، مستشهدة بقوله تعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾، إلا أنها تؤكد أن هذا الاستثناء لا يلغي القاعدة العامة التي تجعل العمل والاجتهاد أساسًا في عمارة الأرض وتحقيق المقاصد.

وتخلص القراءة إلى أن بناء المجتمعات لا يتحقق بالأماني وحدها، وإنما بالجمع بين الإيمان والعمل، وبين الدعاء والسعي، معتبرة أن النهضة الحقيقية تبدأ حين يتحول الإنسان من متلقٍ ينتظر الحلول إلى فاعل يسهم في صناعة واقعه، كما تربط هذه الفكرة بما تطرحه مؤسسة رسالة السلام العالمية برئاسة المفكر الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، التي تؤكد أن إصلاح المجتمعات يبدأ بإحياء منظومة القيم، مثل العدل والرحمة والحرية والتعاون، وجعلها أساسًا للتعامل الإنساني وبناء الحضارة.

وفي النهاية، تفتح هذه القراءة بابًا للتأمل أكثر من تقديمها لإجابة نهائية، فهي تدعو القارئ إلى إعادة النظر في العلاقة بين الإيمان والعمل، وبين الدعاء والأخذ بالأسباب، وتطرح سؤالًا يستحق التفكير: هل يمكن أن تتحول تفاصيل حياتنا اليومية، وسعينا المستمر، إلى صورة من صور الدعاء الذي يمتد أثره إلى الفرد والمجتمع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);