مقالات

علاء عبدالله يكتب: القوة بلا قيم.. لماذا تصبح الحضارة أكثر هشاشة كلما ازدادت قوة؟

في زمن تتسارع فيه وتيرة الاكتشافات العلمية وتتضاعف فيه أدوات النفوذ والتأثير، لم يعد السؤال المطروح هو كيف نصنع مزيدًا من القوة، بل كيف نضمن أن تظل هذه القوة في خدمة الإنسان لا في مواجهة وجودة، ومن هنا تنطلق الرؤية الفكرية التي يطرحها المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي مؤسس مؤسسة رسالة السلام العالمية، والتي تؤكد أن القيم ليست عنصرًا تكميليًا في مسيرة الحضارات بل هي الضمانة الحقيقية لاستمرارها.

ينطلق هذا الطرح من حقيقة بسيطة لكنها عميقة؛ فالعلم، المال، الإعلام، والسلطة، جميعها أدوات محايدة لا تحمل في ذاتها خيرًا أو شرًا، وإنما تكتسب قيمتها من الإنسان الذي يستخدمها، فالمعمل العلمي ذاته قد ينتج دواءً ينقذ ملايين البشر، وقد يخرج منه سلاح قادر على تدمير مدن بأكملها، والمال يمكن أن يتحول إلى وسيلة لبناء المدارس والمستشفيات، كما يمكن أن يصبح أداة للاحتكار وتعميق الفجوة بين المجتمعات، أما الإعلام فيستطيع أن ينشر المعرفة ويعزز الوعي، أو يتحول إلى منصة للتحريض ونشر الكراهية، بينما تبقى السلطة بين خيارين؛ إما تحقيق العدالة أو تكريس الاستبداد.

وتكشف هذه الأمثلة أن المشكلة ليست في امتلاك القوة وإنما في غياب المنظومة الأخلاقية التي تضبط استخدامها، ولذلك فإن الحضارات لا تقاس بحجم ما تمتلكه من إمكانات مادية، وإنما بقدرتها على توجيه تلك الإمكانات نحو خدمة الإنسان.

ويقدم الشرفاء الحمادي تشبيهًا بالغ الدلالة حين يشبه القوة بسفينة عملاقة تمتلك محركات هائلة لكنها فقدت بوصلتها، فالسفينة قد تندفع بسرعة كبيرة لكن سرعتها لن تمنع اصطدامها بالصخور إذا غاب عنها الاتجاه الصحيح، وكذلك الحضارة قد تحقق إنجازات تقنية واقتصادية غير مسبوقة، لكنها تصبح أكثر عرضة للانهيار عندما تنفصل عن منظومة القيم.

ومن هذا المنطلق، تصبح القيم القرآنية مثل العدل، الرحمة، الأمانة، الحرية، الإحسان، واحترام كرامة الإنسان، ليست مجرد مبادئ أخلاقية، وإنما قواعد عملية لتنظيم حركة القوة داخل المجتمع، فهي التي تمنح العلم غايته، تحدد للمال رسالته، تضع للإعلام مسؤوليته، وتجعل السلطة وسيلة لتحقيق العدالة لا أداة للهيمنة.

وتزداد أهمية هذه الرؤية مع الثورة التكنولوجية التي يعيشها العالم اليوم، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي الذي يمثل أحد أعظم الإنجازات العلمية في العصر الحديث، فهذه التقنية قادرة على إحداث تحولات جذرية في الاقتصاد والصحة والتعليم وسوق العمل، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى مصدر تهديد غير مسبوق إذا غابت عنها الضوابط الأخلاقية، ولذلك فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن تحدده قدراته التقنية فقط بل ستحدده القيم التي تحكم تصميمه واستخدامه

والتاريخ يقدم شواهد عديدة على أن الحضارات لا تنهار بسبب ضعفها المادي وإنما عندما تنفصل القوة عن الأخلاق، فكل حضارة استطاعت الموازنة بين التقدم المادي والقيم الإنسانية نجحت في تحقيق الاستقرار، بينما دفعت حضارات أخرى ثمن تجاهلها لهذا التوازن رغم ما امتلكته من إمكانات هائلة.

ومن هنا يبرز الرهان الحقيقي على بناء الإنسان الواعي القادر على التعامل مع أدوات القوة بمسؤولية، فالإنسان القيمي لا يكتفي بالسؤال عما يستطيع فعله، بل يسأل قبل كل قرار: هل هذا الاستخدام ضروري؟ وما الهدف منه؟ ومن المستفيد الحقيقي منه؟ وعندما تصبح هذه الأسئلة جزءًا من الثقافة العامة، تتحول القوة إلى وسيلة للبناء بدلًا من أن تكون سببًا في الصراع.

إن الرسالة الأساسية التي يقدمها هذا الطرح تتمثل في أن مستقبل البشرية لن يتحدد بحجم ما تنتجه من تقنيات أو ما تملكه من ثروات بل بنوعية القيم التي توجه هذه الإمكانات، فالقوة التي تقودها الأخلاق تبني الحضارات وتحمي الإنسان، أما القوة المنفصلة عن القيم فلا تنتج سوى مزيد من الأزمات، مهما بلغت درجة التقدم العلمي أو الاقتصادي.

ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في أذهاننا هو: ماذا نغرس اليوم في نفوس الأجيال القادمة؟ هل نكتفي بإعدادها لامتلاك أدوات القوة، أم نحرص أيضًا على أن تمتلك الضمير الذي يحسن استخدامها؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي سوف ترسم ملامح العالم الذي سنورثه للأجيال المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);