علاء عبدالله يكتب: حين يصبح القرآن مشروعًا للسلام.. قراءة في رؤية علي الشرفاء الحمادي لتحرير الإنسان من الانقسام

يقدم هذا الطرح الفكري رؤية مختلفة للعلاقة بين الدين والإنسان، إذ ينطلق من سؤال شديد الأهمية: هل يمكن أن تتحول الرسالة الإلهية من مصدر للخلاف والصراع، كما جرى توظيفها في بعض السياقات إلى مشروع إنساني شامل يقوم على السلام والعدل والمساواة؟ ومن خلال الأفكار المنسوبة إلى المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، تأتي الإجابة بأن جوهر الرسالات السماوية واحد، وأن الهدف الأساسي منها هو إسعاد الإنسان وحمايته وإخراجه من دوائر الخوف والصراع إلى فضاء الرحمة والأمن والاستقرار.
وتقوم الرؤية المطروحة على عدد من الركائز الأساسية تبدأ من الإنسان نفسه باعتباره محورًا للرسالة، بصرف النظر عن اختلاف العرق أو اللون أو اللغة أو الانتماء، فالاختلاف بين البشر، وفق هذا التصور، ليس سببًا للتفاضل أو الصراع، وإنما وسيلة للتعارف والتعاون وتبادل المنافع، ومن هنا تبرز قيمة المساواة باعتبارها قاعدة أساسية لبناء مجتمع يحترم كرامة أفراده ولا يسمح بتحويل الاختلاف إلى أداة للاستعلاء أو الإقصاء.
ويستند الطرح إلى المعنى الوارد في قوله تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا”، ليؤكد أن التنوع البشري يمكن النظر إليه باعتباره عنصرًا إيجابيًا في الحياة الإنسانية، فالاختلاف، في هذه القراءة، لا يلغي وحدة الأصل الإنساني، وإنما يفتح المجال أمام التواصل والتكامل، وهي رؤية تحمل أهمية خاصة في عالم يشهد تصاعدًا في الصراعات القائمة على الهوية والانتماءات المختلفة.
وتأتي قيمة السلام في المرتبة التالية داخل هذا المشروع الفكري، ليس باعتباره مجرد غياب للحرب وإنما باعتباره حالة متكاملة من الأمن والاستقرار تسمح للإنسان بأن يعيش ويبدع ويتقدم، فالسلام، بحسب الطرح، يرتبط بصورة مباشرة بالتنمية والاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي، بينما يؤدي غيابه إلى إنتاج بيئة قابلة للانهيار وانتشار الخوف والتوتر.
لكن السلام كما توضح الرؤية، لا يمكن أن يستمر دون عدالة، ولذلك يضع الطرح العدل باعتباره قاعدة لا ينبغي أن تخضع للهوية أو الطائفة أو المصالح السياسية والقومية، فالعدالة الحقيقية لا تتجزأ ولا يمكن أن تكون امتيازًا لفئة على حساب أخرى، وإنما يجب أن تكون ميزانًا عامًا لحماية الحقوق ومنع الظلم والاعتداء.
ومن الأفكار المحورية الأخرى التي يتناولها الطرح مفهوم وحدة الرسالات السماوية، حيث يرى أن الأنبياء والرسل جاءوا برسالة إنسانية مشتركة في جوهرها، حتى وإن اختلفت بعض التشريعات والتفاصيل التي ارتبطت بظروف المجتمعات والأزمنة، ويضع هذا التصور مجموعة من القيم المشتركة بين الرسالات وفي مقدمتها الرحمة والعدل وحماية كرامة الإنسان وحرية الاعتقاد.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة لأنها تفتح الباب أمام قراءة تقوم على التقارب بين أتباع الأديان بدلًا من الصدام بينهم، من خلال التركيز على القيم الإنسانية المشتركة لا على نقاط الاختلاف التي تحولت عبر التاريخ إلى وقود للانقسام.
أما النقطة الأكثر إثارة للجدل في الطرح فتتمثل في الدعوة إلى العودة المباشرة إلى القرآن باعتباره المرجعية الأساسية، مع نقد ما يراه الكاتب تراكمات بشرية وروايات وتفسيرات أسهمت، من وجهة نظره في إنتاج الانقسام والتطرف وتوظيف الدين في الصراعات.
وهنا لا يقف النقاش عند حدود فهم النص الديني، وإنما ينتقل إلى قضية أوسع تتعلق بالوصاية على الإنسان وحقه في التفكير والتدبر، فالطرح يؤكد أن الإيمان لا يقوم على الإكراه وأن علاقة الإنسان بخالقه علاقة مباشرة، وأنه لا ينبغي لأي فرد أو جماعة أن تفرض نفسها وصيًا على ضمير الآخرين أو أن تحتكر الحقيقة الدينية.
وتبرز كذلك فكرة مهمة تتعلق بصورة الرسول ودوره، إذ يقدم الطرح الرسالة النبوية من زاوية الرحمة والسلام، بعيدًا عن أي توظيف يجعل الدين أداة للخوف أو القهر. ومن هنا يصبح مفهوم “الرحمة للعالمين” أساسًا لفهم الدور الذي يفترض أن تؤديه الرسالة في حياة الإنسان والمجتمع.
وفي المحصلة، لا يقدم هذا الطرح الدين باعتباره مجموعة من الأوامر المجردة، وإنما باعتباره مشروعًا لإعادة بناء علاقة الإنسان بنفسه وبالآخر وبالمجتمع، من خلال قيم السلام والعدل والمساواة والرحمة وحرية الاختيار.
وتكمن أهمية هذه الرؤية في أنها تضع مسؤولية مواجهة الانقسامات البشرية في يد الإنسان نفسه، وتدعوه إلى إعادة التفكير في الطريقة التي يتعامل بها مع الاختلاف الديني والثقافي والفكري، فالسؤال الذي يتركه الطرح مفتوحًا ليس فقط: كيف نفهم الدين؟ وإنما أيضًا: كيف نحول القيم التي يدعو إليها إلى واقع يحد من الصراع ويعزز السلام؟
وبذلك يتحول الحديث عن القرآن والرسالة الإلهية من نقاش نظري إلى قضية مرتبطة بمستقبل الإنسان، حيث يصبح العدل والسلام والتعايش واحترام الكرامة الإنسانية معايير أساسية لقياس أثر الأفكار الدينية في الواقع، وهذه هي النقطة الأبرز التي يمكن التوقف أمامها في هذا الطرح: هل يستطيع الإنسان أن يستعيد جوهر القيم التي تجمعه بالآخر، ويتجاوز الانقسامات التي صنعها البشر، ليبني مجتمعًا أكثر أمنًا ورحمة وعدلًا؟.






