علاء عبدالله يكتب: العهد المقدس بين الإنسان وربه.. قراءة في رؤية علي الشرفاء الحمادي لتحرير العقل من الوصاية

يطرح المفكر العربي الدكتور علي الشرفاء الحمادي في مقاله “العهد المقدس بين الله والمسلم” رؤية فكرية تقوم على إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان ودينه، انطلاقًا من فكرة أساسية مفادها أن الإيمان ليس مجرد انتماء أو إعلان للهوية، وإنما عهد يقوم على الالتزام الأخلاقي والتشريعي بما يحقق مقاصد الدين في حياة الإنسان والمجتمع.
ويرى الكاتب أن دخول الإسلام بإرادة حرة يحمّل المسلم مسؤولية فهم ما يترتب على هذا الاختيار من التزامات، وفي مقدمتها إقامة العدل، نشر السلام، التعاون على الخير، وحماية الإنسان وحقوقه وحريته، ومن هذا المنطلق لا يقدم الدين في المقال باعتباره مجموعة من الشعارات، بل باعتباره منهجًا عمليًا ينعكس على سلوك الفرد وعلاقته بالآخرين وعلى قدرة المجتمع على تحقيق الأمن والاستقرار والتقدم.
وتبرز في المقال فكرة مركزية تتعلق بمفهوم “العهد مع الله”، إذ يربط الكاتب صدق الإيمان بمدى التزام الإنسان بما يراه من تشريعات ومبادئ قرآنية، مؤكدًا أن الإسلام، في تصوره، لا ينفصل عن منظومة القيم التي تحفظ كرامة الإنسان وتصون حريته وتؤكد حقه في الاختيار والعيش بأمان.
كما يتوقف الشرفاء الحمادي عند مسألة فهم القرآن، ويرى أن النص القرآني جاء بلغة عربية واضحة وميسرة للتدبر، مستشهدًا بالآية الكريمة: “ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر”، وهنا ينتقل المقال من الحديث عن علاقة المسلم بالله إلى قضية فكرية أوسع، تتمثل في حدود دور المفسرين والمرجعيات الدينية في تشكيل وعي الإنسان وفهمه للنص.
وتتمثل إحدى أكثر الأفكار إثارة للنقاش في المقال في انتقاد الكاتب لما يصفه بمحاولات تعقيد فهم الآيات أو احتكار تفسيرها، معتبرًا أن بعض القراءات والتفسيرات قد تتحول من وسيلة لفهم النص إلى أداة للوصاية على عقول الناس، ومن وجهة نظره، فإن تحرير الإنسان من هذه الوصاية يتيح له العودة مباشرة إلى القرآن والتدبر في معانيه، بدلًا من أن يصبح أسيرًا لتصورات بشرية يقدمها البعض باعتبارها الحقيقة الوحيدة.
ولا يكتفي المقال بانتقاد ما يراه الكاتب احتكارًا لفهم النص الديني، وإنما يربط هذه القضية بالنتائج المترتبة عليها في الواقع؛ فحين يتم توجيه الإنسان بعيدًا عن قيم القرآن بحسب رؤية الشرفاء الحمادي، يمكن أن يتحول الدين إلى وسيلة للصراع والانقسام بدلًا من أن يكون مصدرًا للرحمة والسلام والتسامح.
وفي هذا السياق، يؤكد المقال مجموعة من القيم التي يعتبرها الكاتب جوهرية في الرسالة الإسلامية، وفي مقدمتها المساواة بين البشر، صون الكرامة، احترام حرية الاعتقاد والشعائر، والعمل الصالح، ويضع الكاتب معيار التفاضل بين الناس في نطاق ما يقدمونه من عمل صالح والتزام أخلاقي، وليس في الانتماء أو المكانة الاجتماعية.
وتكشف القراءة العامة للمقال أن صاحبه يحاول نقل النقاش حول الدين من دائرة الجدل حول الأشخاص والمرجعيات إلى دائرة القيم والمبادئ، مع التأكيد على أن الغاية النهائية من التشريع، وفق رؤيته، هي إصلاح حياة الإنسان وتحقيق الخير والعدل والسلام.
ومن أبرز ما يمكن استخلاصه من المقال أن “العهد” الذي يتحدث عنه الكاتب لا يقتصر على علاقة روحية خاصة بين الفرد وربه، بل يمتد إلى المجال العام، لأن الالتزام الديني الحقيقي، في هذه الرؤية، يجب أن يظهر في التعامل مع الآخرين وفي احترام حقوقهم وحرياتهم وفي رفض الظلم والعدوان.
وبذلك يقدم علي الشرفاء الحمادي مقالًا يتجاوز الحديث التقليدي عن التدين ليطرح سؤالًا أوسع حول علاقة الإنسان بالنص الديني وحدود دور المرجعيات البشرية، وكيف يمكن للقيم الدينية أن تتحول من مفاهيم مجردة إلى سلوك يحقق العدل والسلام ويحفظ للإنسان كرامته وحريته، وهي رؤية تفتح الباب أمام نقاش فكري حول العلاقة بين النص والتفسير، وبين الإيمان والمسؤولية، وبين التدين الفردي والرسالة الأخلاقية التي يتركها الدين في المجتمع.






