حلوى المولد تشعل جيوب المصريين.. كيف قفزت الأسعار إلى 8500 جنيه رغم انهيار سعر السكر؟

أسماء صبحي – مع اقتراب الاحتفال بالمولد النبوي الشريف عادت حلوى المولد لتتصدر المشهد في الأسواق المصرية لكن هذا العام تحمل معها مفاجأة أربكت المستهلكين. فبينما تراجع سعر أحد أهم مكونات صناعة الحلوى، وهو السكر، لم تنخفض الأسعار بل سجلت بعض المنتجات زيادات جديدة وصلت إلى 25% مقارنة بالموسم السابق.
الأكثر إثارة أن الفارق بين أرخص وأغلى علبة لم يعد مجرد فرق بسيط في الجودة أو الكمية. وإنما أصبح فجوة ضخمة تكشف عن سوق ينقسم إلى شرائح متعددة تبدأ بعبوات اقتصادية في متناول محدودي ومتوسطي الدخل، وتنتهي بعلب فاخرة يصل سعر بعضها إلى آلاف الجنيهات.
سوق حلوى المولد ينقسم إلى عالمين
تكشف جولة في الأسواق بوضوح حجم التفاوت في الأسعار خلال موسم 2026. إذ ارتفع سعر بعض العلب الاقتصادية إلى نحو 175 جنيهًا مقارنة بـ135 جنيهًا خلال الموسم الماضي. أما الحلوى السائبة، فقد شهدت هي الأخرى زيادات إذ وصل سعر الكيلو في بعض محال الجملة بالمناطق الشعبية إلى نحو 70 جنيهًا مقابل 60 جنيهًا في الموسم السابق.
لكن المفاجأة الأكبر تظهر عند الانتقال إلى الفئات الفاخرة حيث سجلت إحدى العلب سعرًا بلغ 8500 جنيه، وهو مبلغ يعادل تقريبًا قيمة 49 علبة من الفئة الاقتصادية التي يبلغ سعر الواحدة منها 175 جنيهًا. ويعكس هذا التفاوت تغيرًا واضحًا في طبيعة سوق حلوى المولد.الذي لم يعد يقدم منتجًا واحدًا بسعر موحد. بل أصبح يخاطب شرائح استهلاكية مختلفة، لكل منها قدرتها الشرائية وتوقعاتها من حيث الجودة والتغليف والمكونات.
زيادة تصل إلى 25% رغم تراجع السكر
بحسب تصريحات مدحت الفيومي، رئيس شعبة الحلويات بالغرفة التجارية بالدقهلية، ارتفعت أسعار حلوى المولد خلال الموسم الحالي بنسبة تتراوح بين 20 و25% مقارنة بالعام الماضي. والمفارقة أن الزيادة جاءت في وقت شهدت فيه بعض مدخلات الإنتاج تراجعًا، وفي مقدمتها السكر، بينما استقرت أسعار المكسرات إلى حد كبير مقارنة بالموسم السابق.
وتشير البيانات التي أوردها التقرير إلى أن سعر طن السكر أصبح يتراوح بين 20 و22 ألف جنيه، بعد أن كان يدور حول 25 إلى 28 ألف جنيه خلال موسم 2025. وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه المستهلك بصورة طبيعية: إذا كان السكر قد انخفض بهذا الشكل، فلماذا لم تنخفض أسعار حلوى المولد؟
السكر ليس وحده من يحدد سعر الحلوى
الإجابة تبدو أكثر تعقيدًا من مجرد مقارنة سعر مادة خام واحدة بسعر المنتج النهائي. فصناعة حلوى المولد تعتمد على منظومة متكاملة من عناصر الإنتاج والتشغيل، وبالتالي فإن انخفاض سعر السكر لا يعني بالضرورة انخفاض التكلفة الإجمالية على المصانع والمحلات.
وخلال الفترة الماضية، تعرض أصحاب الأنشطة التجارية لارتفاعات في عدد من بنود المصروفات. وهو ما أدى إلى زيادة تكلفة المنتج النهائي حتى مع تراجع بعض أسعار الخامات.
فواتير الكهرباء والغاز تدخل على خط الأسعار
من بين أبرز الأعباء التي يشير إليها التقرير ارتفاع تكاليف الخدمات، وعلى رأسها الكهرباء والمياه والغاز. وتحتاج مصانع ومحال الحلويات إلى هذه الخدمات بصورة مستمرة خلال مراحل التصنيع والتجهيز والتخزين. وبالتالي فإن أي زيادة في أسعارها تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تكلفة التشغيل.
كما أن ارتفاع تكاليف التشغيل لا يظهر للمستهلك في صورة بند منفصل. وإنما يدخل في النهاية ضمن التكلفة الإجمالية التي تحدد السعر الذي تعرض به المنتجات في الأسواق.
التغليف والعمالة والنقل
لم تعد تكلفة صناعة الحلوى مقتصرة على المكونات الغذائية، خاصة مع تنوع أشكال العبوات وتوسع المنافسة على مستوى الشكل الخارجي للمنتج. فارتفاع أسعار الكرتون ومواد التغليف يمثل عنصرًا إضافيًا في تكلفة العبوة، إلى جانب زيادة أجور العمال ومصروفات النقل. وتزداد أهمية هذه البنود في حالة العلب الفاخرة، التي تعتمد بدرجة أكبر على جودة التصميم والتغليف وطريقة تقديم المنتج. وهو ما يساعد على تفسير جانب من الفارق الكبير بين العبوات الاقتصادية والمنتجات الفاخرة.
رسوم وشهادات
هناك أيضًا مجموعة من الرسوم والمصروفات التي يتحملها أصحاب المحال والمنشآت، من بينها تكاليف الفراشة والرسوم المحلية والشهادات الصحية والتأمينات. وبحسب ما ورد في التقرير، ارتفعت تكلفة الشهادات الصحية بشكل كبير، إذ كانت تُستخرج في السابق كل عامين مقابل نحو 40 جنيهًا، بينما أصبحت تُجدد سنويًا بتكلفة تصل إلى نحو 600 جنيه. كما ارتفعت رسوم التأمينات من مستويات كانت تتراوح بين 50 و80 جنيهًا إلى نحو 800 جنيه.
ورغم أن هذه المصروفات قد تبدو بعيدة عن طبق الحلوى الذي يشتريه المواطن، فإنها في النهاية تدخل ضمن تكلفة استمرار النشاط التجاري، وبالتالي تجد طريقها إلى حسابات التسعير.
التجار بين نارين.. التكلفة والقدرة الشرائية
المشكلة الأكبر أمام أصحاب محال ومصانع الحلوى أن رفع الأسعار إلى مستويات أعلى قد يعوض جزءًا من ارتفاع التكاليف، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى مزيد من تراجع المبيعات. فالمستهلك المصري أصبح أكثر حساسية تجاه الأسعار، وأصبح يبحث عن البدائل التي تتناسب مع دخله، سواء بشراء كميات أقل، أو الاتجاه إلى المنتجات الاقتصادية، أو شراء الحلوى السائبة بدلًا من العبوات الجاهزة. وهنا يجد التجار أنفسهم أمام معادلة صعبة: تكاليف الإنتاج ترتفع، بينما قدرة المستهلك على الإنفاق ليست بلا حدود.
لماذا تتسع الفجوة بين العلبة الشعبية و«VIP»؟
الفارق الذي يصل إلى آلاف الجنيهات بين بعض العبوات لا يرتبط بالمواد الخام وحدها. وإنما يدخل فيه اختلاف الحجم، ونوعية المكونات، ونسب المكسرات، وجودة المنتجات، بالإضافة إلى شكل العبوة والتغليف والعلامة التجارية.
لذلك أصبح سوق حلوى المولد أشبه بسوق متعدد المستويات فهناك منتج يستهدف الأسر التي تبحث عن أقل تكلفة ممكنة. وفي المقابل منتجات فاخرة تستهدف المستهلك القادر على دفع مبالغ أكبر مقابل تجربة مختلفة في الجودة والشكل والتقديم. وهذا يفسر كيف يمكن أن نجد في السوق علبة بـ175 جنيهًا وأخرى بـ8500 جنيه في الموسم نفسه.






