«استراحة مؤقتة أم تحول؟».. عوائد السندات تنتظر إشارات السياسة النقدية

تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية اليوم الاثنين، مع توخي المستثمرين الحذر قبل الكلمة المرتقبة لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، خلال الندوة الاقتصادية السنوية في «جاكسون هول»، وسط حالة من القلق بشأن مسار التضخم واستقرار سوق الدين الأمريكي.
وتتجه أنظار الأسواق إلى ظهور وارش المرتقب في الندوة، إذ يبحث المستثمرون عن مؤشرات بشأن توجهات السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، خصوصًا بعد ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات مرتفعة أثارت مخاوف بشأن تكلفة الاقتراض واستدامة الدين الأمريكي.
عوائد السندات تحت ضغط
جاء تراجع العوائد بعد موجة بيع قوية تعرضت لها السندات الأمريكية خلال الفترة الأخيرة، دفعت عائد السندات لأجل 30 عامًا إلى مستويات تقترب من 5.2%، فيما ظل عائد السندات لأجل 10 سنوات عند مستويات مرتفعة.
وأظهرت بيانات السوق اليوم الاثنين انخفاض عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات بنحو 3.4 نقطة أساس إلى حوالي 4.70%، بينما تراجع عائد السندات لأجل 30 عامًا بنحو 3.9 نقطة أساس إلى نحو 5.24%.
وتعكس هذه التحركات استمرار الضغوط على سوق السندات، في ظل ارتفاع مستويات الدين الحكومي الأمريكي والمخاوف من استمرار التضخم، خاصة مع تأثير أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية على توقعات الأسعار.
لماذا تراقب الأسواق كلمة وارش؟
تمثل كلمة كيفن وارش في «جاكسون هول» محطة مهمة للمستثمرين، خصوصًا أنها ستكون من أبرز ظهوراته العامة كرئيس للاحتياطي الفيدرالي.
ويترقب المستثمرون أي إشارات يمكن أن تكشف عن رؤية البنك المركزي لمسار أسعار الفائدة، وما إذا كان وارش سيقدم توجيهات أكثر وضوحًا بشأن الخطوات المقبلة للسياسة النقدية.
وتزداد أهمية الكلمة في ظل توجه وارش إلى تقليل الاعتماد على ما يعرف بـ«التوجيه المستقبلي»، أي إعطاء الأسواق إشارات مسبقة ومفصلة بشأن قرارات الفائدة المقبلة، وهو ما قد يجعل المستثمرين أكثر حساسية لأي تصريحات تصدر عنه.
التضخم يفرض نفسه على المشهد
ولا يتعلق اهتمام الأسواق بالفائدة فقط، وإنما يمتد إلى مسار التضخم، في ظل استمرار الضغوط السعرية وارتفاع المخاوف من تأثير أسعار الطاقة على الاقتصاد الأمريكي.
وتأتي هذه المخاوف بالتزامن مع استمرار اضطرابات أسواق الطاقة المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية، وهو ما قد يزيد صعوبة مهمة الاحتياطي الفيدرالي في تحقيق التوازن بين السيطرة على التضخم ودعم النشاط الاقتصادي.
ويراقب المستثمرون كذلك بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، باعتباره أحد المؤشرات الرئيسية التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي في تقييم اتجاهات التضخم.
الخزانة الأمريكية تتدخل لتهدئة السوق
وفي محاولة لاحتواء الضغوط على سوق الدين، وسعت وزارة الخزانة الأمريكية عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.
ورفعت الوزارة حجم عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار في المزاد، مقارنة بنحو ملياري دولار سابقًا، في خطوة تهدف إلى دعم السيولة والمساعدة في تخفيف الضغوط على السندات طويلة الأجل.
وساعدت هذه الخطوة في تهدئة الأسواق مؤقتًا، لكنها لم تبدد المخاوف المرتبطة بارتفاع الدين الأمريكي والعجز المالي، إذ يرى محللون أن أدوات الخزانة وحدها قد لا تكون كافية لمعالجة الضغوط الهيكلية على سوق السندات.
سوق الدين تحت المجهر
ويأتي ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن حجم الدين الحكومي الأمريكي، وهو ما يجعل المستثمرين يطالبون بعوائد أعلى مقابل الاحتفاظ بالسندات لفترات أطول.
وتشير هذه التطورات إلى أن الضغوط على سوق السندات لا ترتبط فقط بتوقعات الفائدة قصيرة الأجل، وإنما تشمل أيضًا ما يسمى علاوة الأجل، وهي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون لتعويض مخاطر الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل.
ولهذا فإن أي إشارات من وارش بشأن التضخم أو السياسة النقدية قد تكون لها انعكاسات مباشرة على سوق السندات، وعلى تكلفة الاقتراض في الاقتصاد الأمريكي بصورة أوسع.
PCE يحسم اتجاه الأسواق
وتتجه الأنظار خلال الأيام المقبلة إلى بيانات التضخم الجديدة، وفي مقدمتها مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، لمعرفة مدى استمرار الضغوط السعرية.
وفي حال جاءت البيانات أعلى من المتوقع، فقد تعزز المخاوف بشأن بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما قد يضغط مجددًا على أسعار السندات ويدفع عوائدها إلى الارتفاع.
أما إذا أظهرت البيانات تباطؤًا واضحًا في التضخم، فقد تمنح الأسواق مساحة أكبر للتفاؤل بشأن إمكانية تيسير السياسة النقدية مستقبلًا.
استراحة مؤقتة أم بداية تحول؟
وبين تراجع عوائد السندات اليوم واستمرار المخاوف بشأن الدين والتضخم، يظل السؤال الرئيسي بالنسبة للمستثمرين هو ما إذا كانت الحركة الحالية تمثل بداية تحول في سوق السندات الأمريكية أم مجرد استراحة مؤقتة بعد موجة البيع الأخيرة.
وتشير التحركات الأخيرة إلى أن الأسواق لا تزال شديدة الحساسية لأي تطورات تتعلق بالسياسة النقدية والتضخم والإنفاق الحكومي.
ومع اقتراب كلمة وارش في «جاكسون هول»، ثم صدور بيانات التضخم، سيكون المستثمرون أمام اختبار جديد لمدى قدرة سوق السندات على استعادة الاستقرار، وما إذا كانت عوائد السندات طويلة الأجل قد بلغت ذروتها أم أن الضغوط قد تستمر خلال الفترة المقبلة.






