د. وائل بهلول: مواجهة العشوائيات ضرورة لتحقيق التوازن العمراني

د. وائل بهلول: التوسع من 7% إلى 18% يفتح آفاقًا جديدة للتنمية
عضو جمعية المعماريين: المدن الجديدة تعيد رسم خريطة العمران في مصر
أكد الدكتور وائل بهلول، عضو جمعية المعماريين المصريين ورئيس مجلس ادارة شركة WB Developments والرئيس السابق لقسم الهندسة المعمارية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا أن التوسع في إنشاء المدن الجديدة يمثل أحد المحاور الرئيسية لإعادة رسم خريطة العمران في مصر، من خلال الانتقال من التركز السكاني والاقتصادي في نطاق جغرافي محدود إلى إقامة مجتمعات عمرانية متكاملة تتيح فرصًا أوسع للسكن والعمل والاستثمار، وتدعم جهود الدولة لاستيعاب الزيادة السكانية وتحقيق التنمية المستدامة.
وأوضح أن التوسع في مساحة المعمور من نحو 7% من إجمالي مساحة البلاد إلى استهداف الوصول لنحو 18% يعكس توجهًا نحو توسيع الرقعة المأهولة، والاستفادة من الأراضي المتاحة وفق مخططات تنموية تستهدف إقامة مراكز جديدة للنشاط الاقتصادي والإنتاجي، وتخفيف الضغوط المتزايدة على المدن القائمة، خاصة المناطق ذات الكثافات السكانية المرتفعة.
وأضاف أن قضية التوسع العمراني لا تتعلق بمجرد زيادة المساحات المبنية أو إنشاء تجمعات سكنية جديدة، وإنما ترتبط بإعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية والخدمات، وخلق بيئة عمرانية أكثر قدرة على استيعاب الاحتياجات المستقبلية، بما يحقق التكامل بين السكن والعمل والإنتاج والخدمات الأساسية.
العشوائيات والتوسع العمراني.. مساران متكاملان
وأوضح د. وائل بهلول أن التوسع في إنشاء المدن الجديدة يجب أن يسير بالتوازي مع تطوير المناطق العشوائية وغير المخططة، باعتبارهما مسارين متكاملين لإعادة تنظيم خريطة العمران في مصر، وتحقيق توزيع أكثر توازنًا للسكان والخدمات والأنشطة الاقتصادية.
وأشار إلى أن مشكلة العشوائيات لا تقتصر على طبيعة المباني أو ضيق الشوارع، وإنما ترتبط بتراكم تحديات عمرانية واقتصادية واجتماعية، من بينها ارتفاع الكثافات السكانية، ونقص بعض الخدمات الأساسية، وصعوبة الحركة والتنقل، وضعف توافر المساحات العامة، وهو ما يستدعي التعامل معها من خلال رؤية تنموية متكاملة تتجاوز الحلول العمرانية التقليدية.
وأضاف أن تطوير المناطق غير الآمنة وتوفير مساكن ملائمة للأسر المستحقة يمثلان جانبًا مهمًا من جهود تحسين جودة الحياة، بينما يتطلب تطوير المناطق غير المخططة الارتقاء بشبكات المياه والصرف الصحي والطرق، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير المساحات العامة، مع مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للسكان وطبيعة كل منطقة.
وشدد على أن إنشاء المدن الجديدة يتيح فرصًا لاستيعاب جانب من الزيادة السكانية وتخفيف الضغط عن المناطق المزدحمة، لكنه لا يمثل حلًا منفردًا لمشكلة العشوائيات، إذ تظل هناك ضرورة لتطوير العمران القائم، وتحسين كفاءة المرافق والخدمات، وتطبيق قواعد التخطيط والبناء، والحد من نشأة مناطق غير مخططة جديدة.
وأكد أن نجاح سياسات الإسكان والتوسع العمراني يرتبط بقدرتها على تحقيق التكامل بين المسكن وفرص العمل ووسائل النقل والخدمات الأساسية، حتى لا يتحمل السكان أعباء إضافية نتيجة طول المسافات أو ارتفاع تكاليف الانتقال أو صعوبة الوصول إلى أماكن العمل.
تطوير العمران يحقق عوائد اقتصادية واجتماعية
ولفت د. وائل بهلول إلى أن تطوير المناطق غير المخططة يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية مهمة، من خلال رفع كفاءة استخدام المرافق، وتحسين البيئة السكنية، وتيسير حركة التجارة والخدمات، وتهيئة ظروف أفضل لنمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلًا عن الحد من بعض التكاليف التي تفرضها الكثافات المرتفعة وضعف التخطيط.
وأضاف أن التنمية العمرانية المتوازنة تتيح فرصًا لتحسين استغلال الأراضي والأصول، ورفع كفاءة الإنفاق على البنية التحتية، وتوجيه الاستثمارات إلى المناطق الأكثر احتياجًا، بما يعزز الترابط بين التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة.
وأوضح أن نجاح هذا التوجه يتطلب تنسيقًا مستمرًا بين مشروعات الإسكان والنقل والمرافق والتنمية الاقتصادية، إلى جانب تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الأنشطة الإنتاجية والخدمية داخل المدن الجديدة والمناطق التي يجري تطويرها، بما يضمن توفير فرص عمل مستدامة وتحقيق عوائد اقتصادية ملموسة.
الاستدامة والتكنولوجيا أساس المدن الحديثة
وأكد د. وائل بهلول أهمية مراعاة البعد البيئي في خطط التوسع العمراني، من خلال ترشيد استخدام المياه والطاقة، وحماية الأراضي الزراعية، وتوسيع المساحات الخضراء وفقًا للإمكانات المتاحة، والاستفادة من التكنولوجيا في إدارة المرافق والخدمات، بما يضمن أن تكون زيادة مساحة المعمور مرتبطة بتحسين كفاءة استخدام الموارد، وليس مجرد التوسع في البناء.
وأشار إلى أن توظيف التكنولوجيا في إدارة المدن الجديدة يساعد على تحسين كفاءة شبكات المياه والكهرباء والنقل، ورصد الأعطال مبكرًا، وتقليل الهدر في الموارد، فضلًا عن تطوير الخدمات الرقمية المقدمة للمواطنين، بما يدعم التحول إلى مجتمعات عمرانية أكثر كفاءة واستدامة.
وأشار د. وائل بهلول إلى أن مدن الجيل الرابع، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة، تمثل نموذجًا للتوسع العمراني القائم على التخطيط الحديث وتكامل البنية التحتية والمرافق، موضحًا أن هذه المدن يمكن أن تسهم في إنشاء مراكز جديدة للنشاط الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص عمل في قطاعات متعددة، بما يساعد على تخفيف التركز التقليدي للأنشطة في القاهرة الكبرى والدلتا.
وشدد على أن الأثر الاقتصادي للمدن الجديدة لا يقاس بحجم الإنشاءات التي يتم تنفيذها فقط، وإنما بقدرتها على جذب السكان بصورة مستدامة، وتوفير فرص عمل حقيقية، وتشجيع إقامة المشروعات الإنتاجية والخدمية، وتحقيق التوازن بين تكلفة التنمية والعوائد الاقتصادية والاجتماعية المتحققة منها.
ولفت إلى أن التوسع العمراني يفتح آفاقًا أمام قطاعات التشييد والبناء والصناعات المغذية ومواد البناء والنقل واللوجستيات والاتصالات والطاقة، فضلًا عن الأنشطة التجارية والخدمية المرتبطة بالمجتمعات العمرانية الجديدة، بما يعزز حركة الاستثمار ويخلق فرصًا جديدة أمام القطاع الخاص والشركات المحلية.
وأكد أن جذب الاستثمارات إلى المدن الجديدة يتطلب توفير بيئة مناسبة للأعمال، وتيسير الإجراءات، وربط المناطق السكنية بالمناطق الصناعية والتجارية والخدمية، بما يضمن تحول هذه المدن إلى مراكز حقيقية للإنتاج والتشغيل، وليس مجرد تجمعات عمرانية تعتمد على السكن وحده.
واختتم د. وائل بهلول تصريحاته بالتأكيد على أن إعادة رسم خريطة العمران في مصر لا تتحقق بمجرد زيادة مساحة المعمور، وإنما تتطلب الجمع بين إنشاء مدن جديدة متكاملة، وتطوير المناطق القائمة، ومعالجة مشكلات العشوائيات، ومنع ظهور مناطق غير مخططة جديدة، مع ربط العمران بالإنتاج وفرص العمل والخدمات، بما يوسع قاعدة التنمية ويحقق توازنًا أكبر في توزيع السكان والاستثمارات على مستوى الجمهورية.






