ثقافة و فن

أدب الرسائل والرواية العربية الجديدة

أدب الرسائل والرواية العربية الجديدة

 

كتب :حاتم عبدالهادي السيد

 

 

يأتى الحديث عن المنفى من خلال رواية بريد الليل للكاتبة هدي بركات عبر الرسائل ، ومعاناة البطل فى البحث عن عمل، فيجد مبتغاه لدى الرجل ، الذى فتح جريدة ، ليعلم الناس أصول الديمقراطية ، واشترى قصراً في المنفى ، يجمع فيه الناس بالقوة ، ليهنئهم بأنهم تركوا أوطانهم ،واختاروا المنفى ، لأنهم – كما وصفهم – طلاّب حرية .

حتى المهجر له شروط ، فالمال يسد الأفواه ، ويجدد الاقامات المنتهية ،انه يعلن دوماً : أنا المفلس ، انها المهانة ، فالمال هو عصب الحياة هناك ، تجديد الاقامة ، دفع المصاريف الحياتية ، لذا لم يكن لديه غير طريقين : ” الكوكايين ، أو الاسلاميين ، ومع ميل بالطبع الى الأول الا أنهم عدّوه معارضاً ،بعد أن ترجم مقالاً ، من أجل مال زهيد ، فلما ذهب للمعارضين عدّوه مشبوهاً ، أو منتفعاً ، يجب مراقبته . وعبر الالتفات واسهابات السرد عن المعارضة ، نراه يغير وجهة السرد عنه اليها ، فهو يبث لها شكاواه عبر الرسالة الطويلة / الرواية ، يبث لذاته أولاً ،وتستهويه لعبة السرد ومغامرة المتعة فى الحكى ، وعبر الالتفات ، والازاحة نراه يغير الحديث عن وضعه المزرى، وينتقل اليها فى براعة : ( عدا ذلك أنا متخلف وعدائى وعنيف ، وفوق ذلك مدمن ، وأول خيالاتى الجنسية تبدأ بأن أضعك بين ذراعى رجل آخر . تكونبن عارية تاماً ، تحته أو فوقه ، ربما لأعالج غيرتى . يعجبنى أن أراك تشبهين النساء ، ولك جسم معافى ، ينضح رغبة ، متنقلاً بين أيد كثيرة ،وأفواه تجعل لحمك يضىء ويتفتح “. ( الرواية : 27-28 ).

انه هوس الذات ، السريرية المرضية ، النكوص ، التنفيس النفسى والروحى لرجل يهذى ، يتذكر ، يكتب ، يتخيل حياة بكامل تفاصيلها على الورق ، عن محبوبة متخيلة ، كانت ، وربما رحلت ، لكنها على الأقل ليست معه ، يكتب لا ليستجديها لتجىء ، فلربما لايريدها أيضاً ، فقط التسرية عن الذات بالكتابة ، العلاج بالسرد والحكى ، كنوع من التطهّر، الرجوع الى اليقين ، أو البرهان للذات الهائمة فى مجهولية العالم ، وآلامه الزاعقة ، والمنافي الكثيرة ، وغربته الممتدة أيضاً ، مما حداه أن يقول بصراحة ، تقريرية : ” والله عبث ، أكثر أيامى ، تنقضى عبثاً فى عبث ( الرواية :ص28 ).

انه يخلط بين الوهم والواقع ، يتخيل رجلاً يراقبه ،ويتشكك بأنه مثلىّ ، ثم يكتشف أنه رجل مخابرات أرسله الذى لم يجدد له الجنسية لشكّه فيه ، يالخيالات الظنون ، وأوهام السوق ، والعربة ، على حد قول الفلاسفة .

كما نلح ثنائية السرد السيميائى ، السيمولوجى ، لتلك الرسالة / البوح ، فمرة للرجل ، وصوت آخر للأنثى التى يناجيها ، ولعل اختلاط هذه الثنائية فى السرد يربك القارىء العادى ، الا أن المتتبع لهارمونى السرد ، بعين ناقدة ، سيلمح هذه الانسيابية والتحول بين الصوتين ، وكأنهما صوت واحد ، أو أن هناك تلبسّ ، ومخاتلة ، أرادت الكاتبة بها العبث فى جسد السرد ، مستخدمة الواقعية السحرية لسيميائية السرد المخاتل ، الباذخ ، الذى يخاطب الروح والجسد معاً ، وربما بفعل الكوكايين ،أرادت أن تنقلنا عبر غواية السرد الى الـ هى ، والـ هو ، عبر مساجلات السرد المتداخلة ، لتحكى حكايتين منفصلتين فى آن ، وكأنها ترتكز الى ” مابعد حداثية المعنى” ، لتحيلنا الى تشاركية للقارىء، عبر ثنائية السرد : صوت المرأة والرجل معاً ، فى آن ، نافية الزمكانية ، أو الفروق السردية واللغوية والجمالية أيضاً . أو لعلها أرادت الايهام بالسرد من جانب الراوى العليم / البطل /كاتب الرسالة ، لتحيلنا الى تلك الثنائية بفعل تعاطى الكوكايين ،الذى يخدّر العقل فيخلط بين حديثه كسارد ، وبين مسرودية حكايتها ، أو أنه التخييل عبر حواريات تخيّليّة أيضاً ، لعالم افتراضى يعيشه ، يتغيّاه ، أو ربما أراده كذلك ، وهذا يستدعينا أن نسأل : “عمن سرق المشار اليه فى النص ومسرودياته ” -على حد قول رولان بارت- ، أيضاً !! .

انها تستدعى السرد فى صورة دوائر متتالية ، وتبدو ثنائية الصوات دليلاً على حوارية متبدّاة ، تكمل سيرة السرد عبر تلك الحوارية ،التى يسردانها معاً ، لنظن الرواية عبر المخاتلة ، أنها رواية رسائل ، أو أنها سيرة ذاتية فحسب ، بل هى مسرودية لأحداث الذات عبر التخييل ،داخل غرفة السرد الكونية ، التى استأجرها ، فى بناية رخيصة ليصطاد العاهرات ، فاذا به يصطاد ذاته ،من وراء تلك النافذة ، أو أنها كمسرح كسرت الحائط الرابع فيه ،ودخلت الى الجوقة لترى الأشياء والمجتمع ،فتهرب من جديد لنشاهدها / نشاهده ،فى الليل ، من خلف قناع ، من خلف زجاج النافذة ، أو من خلف زجاج نظارته / ذاته ، التى تؤطر للوحدة ،القلق ،الغربة والمنفى ، وتصنع عالماً للذات يعبر فيه السارد /الراوى ،عبر مسيرة الحكى ، وبفعل الكوكايين ، أو الهروب النفسى ، الى عالم أكثر اشراقاً ، ومتعة ، أفق يتغياه ، ويتقصّده ، ويستمرأ العيش داخله ، رغم العذاب والقهر . فهو الوجع الشهى للعالم الذى يريد العبور اليه ،عبر منافى الذات المرعوبة ، التى تتشبث بالشجاعة ، رغم انكساراتها الهائلة ، وهزائمها الافتراضية كذلك ، والحقيقية أيضاً .

انه اذن هناك ،فى منافى العالم يتعذب ، كما عذب الناس من قبل ، تريده المرأة العجوز لليلة ،وليال للحب ممتدة ، يقتلها ، يندم ، لكن لافرق عنده ، فكم عذّب وقتل ، وهى أفعال اقتضتها طبيعة عمله – كما يبرر على طريقته الغريبة دوماً – أما أفعاله التى سيحاسبة الرب عليها – كا يقول – فهى الأجدر، بشعوره بالقلق، والخوف من الله ، يقول : المتعة ليست خياراً ، والانتشاء بالقوة والبأس ،واحكام السيطرة على البشر، ليست من الزوائد . أن ترى رجلاً كان ضابطاً أو أستاذاً جامعياً ـ أو قاضياً يقبل رجليك باكياً ، ليس لزوم ما لا يلزم ، فالدم يصعد ويفور فى القلب مثقلاً بالمخدرات الطبيعية ، الشبيهة ،من دون شك ، بتلك التى تبعث لذة المدمنين ،فيعودون اليها مكبّلى الأيدى . أن تقلّب الأدوار والمصائر بيديك الاثنتين، يعنى أنك تصبح القدر نفسه ، ذلك الذى كنت تصلى له ،كى يرأف بك … أنا لم أكن فى مثل هذا الوضع ، مصلحتى كانت فى الحفاظ على تلك المرأة ، ملجئى الوحيد ، لا مصلحة لى فى قتلها . ( الرواية : ص 70) .

ثم نرى الكاتبة / الراوية ، تنتقل بخطاب رسائلها الى أخيها الحبيب ، لتحكى له عن ظلم أمها ،وظلمه هو كذلك لها ، بعد اجبارها على الزواج ، ثم تطليقها ، بعد أن أنجبت ،وطلبات الأم المستمرة للمال لتربية ابنتها ، وقد عملت خادمة فى االبيوت ، ثم مومساً ، شرموطة وعاهرة ، كما تعلن ذلك .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى