ثقافة و فن

فن الواو واعادة الموروث الشعري الشفاهي

فن الواو واعادة الموروث الشعري الشفاهي

 

حاتم عبدالهادي السيد

 

ازدهر فن الواو في عصر المماليك والأتراك كوسيلة غير مباشرة لمقاومة الظلم الإجتماعي. ولقد أسس هذا الفن الشاعر أحمد بن عروس، الذي ولد في قنا عام 1780، أي في حقبة المماليك، مما جعل المؤرخين ينسبون هذا النوع الخاص من الشعر إلى صعيد مصر؛ وكان ابن عروس يبدأ بتلاوة هذا الشعر بقوله “وقال الشاعر”، لكي لا يُنسب الشعر إليه.

وتكررت واو العطف وأصبحت سمة مميزة لهذا الشعر، فسمي لاحقا “فن الواو”، الذي يعتبر شعراً شعبياً شفهياً يتميز عن باقي أنواع الشعر بقالبه الفني، إذ يتألف من أربعة أشطر، تتفق قافية الشطر الأول مع قافية الشطر الثالث، في حين تتفق قافية الشطر الثاني مع قافية الشطر الرابع.

ولقد اختلط فن الواو بفن المربع؛ ولكننا نقول : إن كل «فن واو» مُربَع.. وليس كل مُربَع “فن واو”.

وفن المربع يتكون من أربعة أشطر في المقطع الواحد؛ أمّا بالنسبة للموال، قد يكون خماسياً -أو أعرجاً – بالإضافة إلى الموال السباعي، وهو أشهر أنواع الموال.

ومن أشهر شعراء فن الواو بعد ابن عروس الشاعر / عبدالستار سليم؛ الشاعر/ محمد خربوش؛ محمد صابر؛ وغيرهم .

ويُعد فن الواو من الأنماط الشعرية المنبثقة من الثقافة الشعرية الشعبية في الصعيد المصري خصوصاً وسط الإقليم الجنوبي المصري وجنوبه، ويتميز بنظم الشعر في آلية نصية عرفت بشعر المربعات. ويعتمد هذا النمط الشعري على اللغة الشعبية في البيئة النابعة منها في التعبير عما فيها بمصاحبة العزف الموسيقي باستخدام آلة الربابة المصرية أو الإيقاع.

وعن تعريف فن الواو كما يقول محمد خربوش : «إنه نوع من أنواع الشعر الذي يعتمد على اللغة الشعبية لتشكيل القصيدة منسجماً مع إيقاع موسيقي محدد، كما يعتمد نظام الشطرات الأربع التي تُكَوّن بيتين شعريين ولها نسق موسيقي خاص، شرط أن تتحد الشطرتان الأولى والثالثة في القافية نفسها، والشطرتان الثانية والرابعة في قافية مغايرة لسابقتيها. كما يعتمد هذا الفن على الإغراق في التعمية والغموض». (ترسَّخ فى أذهان الكثيرين أن لفظة «مربّع» تختص فقط بفن «الواو»، وهذا غير صحيح – على إطلاقه – فالمربع موجود فى الزجل العادي، وكذلك فى «فن الواو»، ولدينا الموّال الرباعي، والرباعية التى أجادها «صلاح جاهين»، وهناك «فن الدوبيت» الذى يُصاغ على وزن بحر شعري فارسى أدخله شعراء من المولّدين فى العصر العباسي، ولدينا أيضا مربع «فن النميم»، ومربع «العدّودة»، و«فن الـقـوما»، وأيضا «فن الكان وكان”؛ وغيرها.

ومن الأمانة أن نقول أن شعراء الصعيد قد أعادوا الإعتبار لهذا الغن الشعري السامق؛ ويعزى إلي الشاعر / عبدالستار سليم تفرغه الكامل لهذا المشروع الشعري التراثي الأصيل؛ ثم لمجموعة من كبار شعراء الصعيد؛ والوجه البحري بعد ذلك .

ولعل انتشار فن الواو – الآن – في أماكن كثيرة يُسقط عنه مقولة مجهولية المؤلف؛ فالمؤلف معروف؛ وهذا يدعم الإمتداد الطبيعي لمسيرة هذا الفن التراثي القديم؛ فالشاعر في العصر المملوكي كان ينسج الشعر؛ ولكنه لا ينسبه إليه؛ ولا إلى شاعر آخر؛ ولقد كان منشده يبدأ الحديث بقوله : ” وقال الشاعر ” كي لا ينسب إليه هذا الشعر خوفًا من بطش الحاكم؛ لان هذا الفن نشأ علي يدي ابن عروس وكان غرضه الأول مناهضة الحاكم الظالم؛ ومن هنا كانت مجهولية المؤلف مستوجبة؛ اما وأن كتب فيه الشعراء المحثون وطوروا من رؤيويته وموضوعاته؛ فلم تعد الحاجة ملحة لإخفاء اسم الشاعر؛ وغدا هذع الشكل الإجناسي نوعًا من الشعر العامي؛ أو أنه قسم مخصوص من الشعر العامي يكتب بطريقة خاصة – كما أسلفنا- وبلهجة عامية مصرية خالصة؛ ولقد ارتبط قديمًا بالمشافهة وأنه قول شفهي يرتجله الشاعر بمصاحبة آلة الربابة؛ والآلات الإيقاعية الموروثة؛ أما الآن فإن الشعراء ينشدونه دون وجود الربابة؛ وبمصاحبتها كذلك؛ فعدا – كما أرى أحد ألوان وأشكال شعر السيرة الشعبية كالتي عرفناها لدي أبوزيد الهلالي سلامة؛ والزير سالم؛ والأميرة ذات الهمة وغير ذلك .

ولذلك فليست هناك حدود فاصلة بينه وبين فن المربع؛ ولكنه يختلف عن الرباعيات التي كتبها صلاح جاهين وبيرم التونسي؛ لانها تتفيا كتابة مخصوصة تعتمد المجاز مع تعمية الرمز؛ وتجانس القوافي المخصوصة؛ فلكل لكل منهما سماته الفاصلة كذلك؛ إلا أنها سمات معيارية؛ ومن هنا – كما أرى – فيجوز أن نطلق علي الفنين : ” فن المربع والواو؛ أو أنه فن ” المروبع ” على حد تعبير شعراء البادية اللهجيين في بادية سيناء كذلك؛ وإن اختلف النقاد؛ وباعدوا بين الفنيين؛ ولهم ذلك أيضًا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى