قصة قصيرة بقلم / حسنى فاروق
بالصبر والإصرار ، ودعوات أولئك النسوة اللاتى يكشفن رؤوسهن فى وضح النهار ، تبيض لك عتيقة الأفاعى فى حجرك ، وينبت لك رجلان أخريان ، ولسان فى قفاك ، وعضو فى مؤخرتك . ـ هه ..هه ! قديمة .
ـ هات الجديد .
ويل لمن شم ريحها ولم يمرغ وجهه فى التراب ككلب عجوز ، ولم يقف على إصبع قدمه الصغير ، ولم يدع الله أن تعتلى مراتب الذين أفنوا أعمارهم فى البحث عن التفرد و …………..!.
أسند ظهرى إلى جدار مقهى ـ عباس أبو فرحات ـ ، محاولا بالكاد أن أخفض من صوتى الصاخب عادة حين أغنى عن تلك المرأة التى تدق القلوب ككسارة الجوز ، والتى تغرق القرية حتى مؤخرتها ، والتى ……..، وما باليد حيلة !.
وحده الشيطان يعرف أين يضع بيضه ، ووحدها تعرف متى تركب فوق الكتف ، نفسها طويل ، صبرها عميق ، جادة فى السعى ، داهية فى التصويب .
النظرة فى عينيها قاع غويط ، حيث السماء المدربة ، فرقعة المساءات ، براعم القنابل ،. أتعرف نكهة اللبن العفاريتى ؟ ، سل عنه بنات الحى اللاتى احترفن الرقص بقدم واحدة فوق ظهور الحمير ، وضاجعن الكلاب فى قلب الظهيرة ، من ولدن فى ليلة سوداء ؛ ليلة خر السقف فوق رؤوسنا وبتنا حتى الصباح نلملم فى حجورنا أعضاءنا المبعثرة ، سل عنه من غاصت أرجلهم فى الأوحال بحثا عن سراويلهم .
لا أدب لها ولا ذوق ، يا دين النبى ، صار الرجل يموت رعبا من امرأة قد تظهر فجأة فى لحظة دفء وتألق مع زوجته . إيه .. كنا نظنها وشوشة الريح فى قدور فارغة ، أو تشقق سحابة فى كبد السماء .
أفتانا العمدة ـ أشهر صانع ربطات عنق ـ بملاحقة كل المقربين إليها ، والساعين لرضاها ، ومن حاول أن يمسك ذيل جلبابها ويعدو وراءها .
قالت وداد بائعة الخضار بعد أن وضعت المشنة ، ورفعت طرحتها فوق كتفيها : جدع أسمر .. طويل حبتين .. لابس فردة مركوب واحدة .. وطاقية من وبر الجمال .. طلع من البيت من سبعة أيام .. اللى يلقاه أو يشم خبر عنه يدلنى .. وأجرك على الله يا بن الحلال.
بعد أن جلست أمام المقهى ، وذبت بطرحتها كومة من الذباب تتناوش فوق خضارها ، نظرت بجانب عينيها دون أن تأبه بى ، ثم لم ألبث أن أسألها عن زوجها ، وهل حدثت بينهما مشادة كلامية جعلته يفر إلى الأبد .
قالت دون أن تلتفت نحوى : ثلاث سنوات نعيش فى سكينة ، نرضى بما يفيض به الله علينا ، حتى الكلاب لم يفتها أن تحظى بشئ من فتات ، وإلا تنام فى الجوار قليلا ، نكف بالصمت وقلة الحيلة شر القادمين وأولاد الحرام ، تسكت لحظة بعد أن جذبت المشنة ناحيتها قليلا حتى لا تلحقها أقدام المارة ، ثم أردفت : ذات ليلة عندما فرغت من بيع الخضار ، وقبل أن أدخل العشة فح فى أذنى صوت يخبره بأن ما سيفعله هو عين العقل والنجاة من شظف العيش وضيق اليد .
بعد أن لصقت أذنى فى جدار العشة ، وعينى ترى الداخل بالكاد ، كان الرجل ـ زوجى ـ عاريا كيوم ولدته أمه ، يخطو جيئة وذهابا فوق دخان غث الرائحة وهو يقول : بالصبر والإصرار ينبت لك رجلان أخريان ، ولسان فى قفاك ، قال ذلك سبع مرات . فى الصباح لم أجد الرجل.
شئ ما أذهلنى وأنا أسمع تلك الفتاة وهى تحكى باستفاضة عن زوجها ، شئ يجعلك ـ أنت ـ تنتقل جسدا وروحا وبدون وعى منك وبقدرة قادر إلى أجواء كأجواء ألف ليلة ، أجواء فتقت أستار اللامعقول ، وأضفت على كل شئ نهاية تكسر ملل التوقع ، وإذ بالمرأة .. إيه المرأة التى جعلت أعناق الرجال تتهاوى فى وضح النهار كطيور ميتة ، تنط فى دوامة صمتك ، تنغرس فى لحمك كنصل حاد ، تلعق فى شراهة الخفافيش دمك ـ إيه دمك ـ ، ويحلو لها العبث فى لحم ذاكرتك ، ليس فى مقدورك بالطبع ـ وأنت أقوى أفراد عائلتك ـ الفكاك ، فتنخلع أجزاؤك السفلية ، ولا أن تصرخ فتأكل لسانك ، وليس فى مقدورك أيضا أن تحاربها بفيض إبداعك ، أو هشاشة عظامك ، فقد يربكك جفاف الإرادة أو مر الواقع ، ناهيك عن فوضى الأقنعة وعتامة الشوارع ، يا هوووه ، كان الله فى عونك وألهمك الصبر عليها.
فى المساء أسند ظهرى إلى جدار المقهى صامتا على غير العادة ، الشارع يبدو معتما إلا من بعض المصابيح الخافتة ، صامتا إلا من طقطقة عظام بعض الكلاب حين تتمطى وتستسلم للنوم ، يلفنى صوت المرأة : جدع أسمر .. طويل حبتين .. لابس فردة مركوب واحدة .. وطاقية من وبر الجمال .. طلع من البيت من سبعة أيام .. اللى يلقاه أو يشم خبر عنه يدلنى .. وأجرك على الله يا بن الحلال .
تمت ..






