الحجر الأسود.. شاهد من الجنة ونقطة بداية الطواف في بيت الله الحرام

في تأكيد جديد على المكانة الروحية والتاريخية العميقة للحجر الأسود، أوضح مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية عددًا من الحقائق المرتبطة بهذا الحجر المبارك الذي يحتل مكانة محورية في شعائر الحج والعمرة، باعتباره نقطة بدء الطواف حول الكعبة المشرفة ومنتهاه، وواحدًا من أبرز الرموز المرتبطة بالبيت العتيق.
خصائص الحجر الأسود
وأكد المركز أن الحجر الأسود ليس مجرد عنصر مادي داخل جدار الكعبة، بل هو جزء له دلالات دينية وروحية راسخة في الوعي الإسلامي، ارتبطت بالنصوص النبوية والروايات الصحيحة التي نقلها الصحابة رضوان الله عليهم.
ووفق ما أوضحه مركز الأزهر للفتوى، فإن الحجر الأسود يأتي على هيئة بيضاوية الشكل، يغلب عليه اللون الأسود المائل إلى الحمرة، ويبلغ قطره نحو 30 سنتيمترًا تقريبًا، ويقع في الركن الجنوبي الشرقي من الكعبة المشرفة من الخارج.
ويعلو الحجر عن سطح الأرض بحوالي متر ونصف المتر، وهو محاط بإطار من الفضة الخالصة، وضع لحمايته وصونه عبر العصور، نظرًا لما يمثله من مكانة دينية عظيمة لدى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
وفي توضيح لِما ورد في السنة النبوية، أشار مركز الأزهر إلى أن الأصل في الحجر الأسود أنه نزل من الجنة، وكان في بداية خلقه أبيض شديد البياض، أكثر صفاءً من اللبن، قبل أن يتغير لونه مع مرور الزمن.
سر تغير لون الحجر الأسود
واستشهد المركز بما رُوي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال:
«نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن، فسوّدته خطايا بني آدم»، وهو حديث أخرجه الترمذي، ويعكس البعد الرمزي للحجر بوصفه شاهدًا على تاريخ الإنسان وما يرتكبه من ذنوب.
ويُعد الحجر الأسود نقطة البداية والنهاية في الطواف حول الكعبة المشرفة، حيث يبدأ الطائفون منه ويعودون إليه مع إتمام كل شوط.
وتؤكد السنة النبوية على استحباب استلام الحجر الأسود باليد وتقبيله عند القدرة، باعتبار ذلك من السنن المؤكدة عن النبي ﷺ، تعظيمًا لشعائر الله واتباعًا لهديه الشريف.
وفي حال تعذر الوصول إليه بسبب الزحام أو المشقة، يجوز للطائف أن يشير إليه بيده مع التكبير قائلاً: «باسم الله والله أكبر»، في إشارة رمزية تُبقي على المعنى التعبدي دون مشقة أو ضرر.
ومن أبرز المواقف التاريخية التي تعكس الفهم الصحيح لمكانة الحجر الأسود، ما رُوي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين قبّله وقال:
«إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك»، وهو حديث أخرجه الإمام مسلم.
ويُبرز هذا الموقف أن تعظيم الحجر الأسود هو اتباع محض للسنة النبوية، وليس اعتقادًا في نفعه أو ضرره بذاته، بل لأنه شعيرة شرعها الله تعالى على لسان نبيه الكريم.
وفي سياق الفضائل المرتبطة بالحجر الأسود، أوضحت النصوص النبوية أن مسحه واستلامه من الأعمال التي يُرجى بها تكفير الذنوب والخطايا، حيث شبّهت الروايات ذلك بتساقط أوراق الشجر.
وقد ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:
«إن مسح الركن اليماني والحجر الأسود يحط الخطايا حطًّا»، وهو ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده.
كما ورد في حديث آخر أن الحجر الأسود سيكون يوم القيامة شاهدًا ناطقًا على من استلمه بحق، إذ قال النبي ﷺ:
«ليأتين هذا الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من يستلمه بحق»، وهو حديث أخرجه ابن ماجه.
وفي سياق متصل، أجاب الشيخ محمد كمال، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، عن سؤال يتعلق بسلوك أحد المعتمرين الذي يحرص على تقبيل الحجر الأسود بنفسه، ثم يصطحب والديه كبار السن للطواف من الأدوار العلوية على كرسي متحرك، قبل أن يعود مرة أخرى لتقبيل الحجر الأسود بعد الانتهاء من مساعدتهما.
وأوضح أمين الفتوى، خلال برنامج «فتاوى الناس» المذاع على قناة الناس، أن ما يقوم به السائل صحيح وجائز شرعًا ولا حرج فيه، مؤكدًا أن عمرته صحيحة ومقبولة بإذن الله.
وأشار إلى أن تقبيل الحجر الأسود ليس من أركان العمرة، وإنما هو سنة عن النبي ﷺ لمن استطاع الوصول إليه دون مشقة أو ضرر.
وبيّن الشيخ محمد كمال أن أركان العمرة محددة شرعًا، ولا يدخل ضمنها تقبيل الحجر الأسود، موضحًا أن الشريعة الإسلامية راعت التيسير ورفعت الحرج عن المكلفين.
وأضاف أن النبي ﷺ أرشد من لم يتمكن من الوصول إلى الحجر الأسود إلى الاكتفاء بالإشارة إليه مع التكبير، وهو ما يعكس مرونة الأحكام الشرعية ومراعاتها للظروف المختلفة.
وفي جانب آخر من الفتوى، شدد أمين الفتوى على أن حرص السائل على رعاية والديه ومساعدتهما أثناء أداء المناسك يمثل عملاً ذا أجر عظيم وثواب كبير عند الله تعالى.
وأكد أن بر الوالدين في هذا السياق لا يتعارض مع صحة العمرة، بل يُعد من القربات التي تضاعف الأجر، حيث يجمع المسلم بين أداء الشعيرة الدينية وخدمة الوالدين والإحسان إليهما في وقت واحد.






