تقارير و تحقيقات

العشر الأوائل من ذي الحجة.. نفحات إيمانية عظيمة وصيام اليوم فيها يعادل أجر سنة كامل

 

مع إطلالة العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، يعيش المسلمون حول العالم واحدة من أعظم المواسم الإيمانية التي خصها الله سبحانه وتعالى بمكانة رفيعة وفضل عظيم، حيث تتضاعف فيها الحسنات، وتتنزل الرحمات، ويحرص المؤمنون على الإكثار من الصيام والذكر وقراءة القرآن والصدقات وسائر أعمال البر والطاعة.

وتُعد هذه الأيام المباركة فرصة عظيمة لتجديد الصلة بالله سبحانه وتعالى، خاصة أنها تجمع بين أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، من صلاة وصيام وذكر ودعاء وصدقة وحج، وهو ما يجعلها من أحب الأيام إلى الله عز وجل.

وأكد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء، أن العشر الأوائل من ذي الحجة تُعد من أفضل أيام الدنيا وأعظمها عند الله تعالى، موضحًا أن الأجر والثواب فيها مضاعف بصورة عظيمة، وأن الأعمال الصالحة خلالها لها مكانة خاصة عند الله سبحانه وتعالى.

واستشهد بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:
«ما من أيام الدنيا أيام أحب إلى الله سبحانه وتعالى أن يتعبد له فيها من أيام العشر، وإن صيام يوم فيها ليعدل صيام سنة، وليلة فيها بليلة القدر»، وهو الحديث الذي يكشف حجم الفضل الكبير الذي أعده الله لعباده في هذه الأيام المباركة.

يرى علماء الدين أن السر في عظمة هذه الأيام يعود إلى أنها تجمع أمهات العبادات والطاعات في وقت واحد، ففيها الصلاة والصيام والصدقة والحج وذكر الله تعالى، وهو أمر لا يتحقق في غيرها من أيام العام.

وأشار الدكتور مجدي عاشور إلى أن من أبرز ما يميز هذه الأيام أن الله سبحانه وتعالى أقسم بها في كتابه الكريم، فقال تعالى:
«وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ».

وأوضح أن القسم الإلهي في القرآن الكريم يدل دائمًا على عظمة المقسَم به وعلو شأنه، وهو ما يعكس المكانة العظيمة للعشر الأوائل من ذي الحجة في ميزان الله سبحانه وتعالى.

وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم أكد فضل هذه الأيام بقوله:
«ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من العشر الأول من ذي الحجة»، حتى إن الصحابة رضوان الله عليهم تعجبوا من هذا الفضل العظيم وسألوا النبي: «ولا الجهاد في سبيل الله؟»، ليجيبهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشيء منهما».

وأوضح عاشور أن هذا الحديث يكشف عن منزلة العبادة والعمل الصالح في هذه الأيام، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم ساوى بين فضل الاجتهاد فيها وبين منزلة الشهيد الذي خرج بنفسه وماله في سبيل الله ولم يعد.

ويأتي الصيام في مقدمة العبادات التي يحرص المسلمون على أدائها خلال هذه الأيام المباركة، لما ورد بشأنه من فضائل عظيمة وأجور مضاعفة.

وأكد الدكتور علي جمعة أن صيام يوم واحد من أيام العشر الأوائل يعادل صيام سنة كاملة، وفق ما ورد في بعض الروايات التي أخذ بها العلماء في باب الترغيب في الطاعات وفعل الخير.

وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على صيام الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة، بينما كان يفطر يوم عيد الأضحى وأيام التشريق، لأن الشريعة الإسلامية نهت عن صيامها.

وأشار إلى أن تسمية هذه الأيام بـ«العشر» رغم أن الصيام يكون في تسعة أيام فقط، يرجع إلى أن يوم النحر «عيد الأضحى» يدخل ضمن فضل هذه الأيام المباركة، لما يتضمنه من ذكر الله تعالى وذبح الأضاحي وإحياء شعائر الإسلام.

ومن أكثر الأسئلة التي تتكرر مع بداية شهر ذي الحجة، ما إذا كان المسلم مطالبًا بصيام الأيام التسعة كاملة، أم يجوز له صيام بعضها فقط بحسب قدرته وظروفه.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور محمد الشحات الجندي أن صيام العشر الأوائل من ذي الحجة يُعد سنة مؤكدة وليس فرضًا، وبالتالي فإن المسلم يُثاب على صيام ما يستطيع منها، ولا يأثم إذا ترك الصيام.

وأكد أن الإسلام دين يسر ورحمة، وأن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولذلك يجوز للمسلم أن يصوم ما يقدر عليه من هذه الأيام المباركة، مع حصوله على أجر وثواب ما أداه من عبادة.

وشدد على أن يوم عيد الأضحى يحرم صيامه شرعًا، لأنه يوم فرح ونسك وإظهار لشعائر الله تعالى، كما أن أيام التشريق أيضًا من الأيام التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامها.

ولا يقتصر فضل هذه الأيام المباركة على الصيام فقط، بل تمتد فضائلها إلى كل أنواع الطاعات، من التسبيح والتهليل والتكبير وقراءة القرآن والدعاء والصدقة وصلة الأرحام وبر الوالدين.

ويؤكد العلماء أن هذه الأيام تمثل فرصة عظيمة لكل مسلم كي يراجع نفسه، ويجدد توبته، ويقترب من الله سبحانه وتعالى بالأعمال الصالحة، خاصة في ظل ما تشهده الحياة من انشغال وضغوط تبعد الكثيرين عن أجواء الطاعة والعبادة.

كما ينصح أهل العلم بالإكثار من التكبير والتهليل خلال هذه الأيام، اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، الذين كانوا يعظمون شعائر الله ويجتهدون في العبادة خلال هذه المواسم المباركة.

ويظل يوم عرفة هو تاج الأيام العشر وأعظمها فضلًا، حيث يقف حجاج بيت الله الحرام على جبل عرفات في مشهد إيماني مهيب، بينما يحرص المسلمون في مختلف أنحاء العالم على صيامه والإكثار من الدعاء والاستغفار.

وقد ورد في فضل صيام يوم عرفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده»، وهو ما يجعل هذا اليوم فرصة عظيمة لمحو الذنوب وتجديد التوبة ونيل رحمة الله سبحانه وتعالى.

وتبقى العشر الأوائل من ذي الحجة موسمًا ربانيًا استثنائيًا، يمنح الله فيه عباده فرصًا عظيمة للفوز بالمغفرة والرحمة ورفع الدرجات، وهي أيام ينبغي على كل مسلم ألا يفرط فيها، وأن يسارع إلى اغتنامها بالصيام والذكر والطاعات والعمل الصالح.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);