مقالات

علاء عبدالله يكتب: الوعي الوطني.. حين تصبح الكلمة خط الدفاع الأول عن أمن الأوطان

لم تعد معركة الأوطان في عصرنا تقتصر على الحدود أو القدرات العسكرية، بل امتدت إلى ساحة أكثر تعقيدًا تتمثل في معركة الوعي، فالشائعة اليوم قد تحدث من الارتباك ما لا تفعله الأسلحة، والمعلومة المضللة قد تهدد استقرار المجتمعات إذا وجدت من يتداولها دون تمحيص، ومن هنا تأتي أهمية المائدة المستديرة التي نظمها معهد العجمي العالي للعلوم الإدارية بالإسكندرية بالتعاون مع مؤسسة رسالة السلام العالمية، والتي أعادت التأكيد على أن بناء الإنسان الواعي هو الركيزة الأساسية لحماية الدولة وتعزيز أمنها القومي.

اللافت في هذا اللقاء أنه انطلق من رؤية المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، التي تضع الإنسان في مقدمة أولويات الإصلاح باعتباره حجر الأساس في بناء المجتمعات واستقرارها، فالوعي، وفق هذه الرؤية، ليس مجرد امتلاك للمعلومات، وإنما قدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين الخبر الموثوق والشائعة التي تستهدف زعزعة الثقة وإثارة الفوضى.

وقد نجحت المناقشات في توسيع مفهوم الأمن القومي بعيدًا عن النظرة التقليدية التي تحصره في حماية الحدود فقط، لتؤكد أن الأمن الحقيقي يبدأ من استقرار المجتمع وتوافر التعليم الجيد، الرعاية الصحية، الأمن الاقتصادي، والحفاظ على وحدة النسيج الوطني، وهي جميعها عناصر مترابطة لا يمكن الفصل بينها.

كما سلط المشاركون الضوء على خطورة الشائعات باعتبارها إحدى أدوات حروب الجيل الحديث، مستعرضين نماذج تاريخية تؤكد أن التضليل الإعلامي والحرب النفسية كانا ولا يزالان وسيلة تستخدمها القوى المعادية لإضعاف الشعوب والتأثير في قراراتها، وفي المقابل أثبت التاريخ أيضًا أن الوعي والمعرفة قادران على إسقاط هذه المحاولات، كما حدث في العديد من المحطات الوطنية التي انتصر فيها التخطيط والإرادة على حملات التشكيك والدعاية.

ومن أهم الرسائل التي خرج بها اللقاء أن مسؤولية حماية الوعي لا تقع على عاتق الدولة وحدها بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والجامعة، وتمتد إلى الإعلام، دور العبادة، ومؤسسات المجتمع المدني، وصولًا إلى المواطن نفسه الذي أصبح مطالبًا بالتأكد من صحة المعلومات قبل تداولها، خاصة في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي.

كما أكدت المناقشات أن بناء التفكير النقدي لدى الشباب أصبح ضرورة وطنية، لأن المواطن القادر على التحليل والتمييز هو الأكثر قدرة على مواجهة حملات التضليل وحماية مجتمعه من محاولات بث الفرقة أو التشكيك في مؤسساته، وفي هذا الإطار، برزت الدعوة إلى إنتاج محتوى إعلامي وثقافي ودرامي يعزز قيم الانتماء، يربط الأجيال الجديدة بتاريخ وطنها، ويكرس ثقافة المسؤولية واحترام الحقيقة.

وفي النهاية، قدمت المائدة المستديرة رسالة واضحة مفادها أن الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأوطان لا يبدأ بالمشروعات أو البنية التحتية فقط، وإنما يبدأ ببناء الإنسان الواعي القادر على التفكير المستقل، إدراك التحديات، والمشاركة الإيجابية في حماية وطنه، فالأمن القومي لم يعد مسؤولية مؤسسة بعينها، بل أصبح مسؤولية مجتمع كامل يدرك أن الوعي هو خط الدفاع الأول، وأن الكلمة الصادقة تظل دائمًا أقوى من الشائعة، والحقيقة أبقى من التضليل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);