مقالات

علاء عبدالله يكتب: عندما تتحول الرسالات الإلهية إلى مشروع حضاري.. ندوة الإسكندرية تضع السلام في مواجهة الكراهية

لم تكن الندوة التي نظمتها مؤسسة رسالة السلام العالمية على هامش معرض الإسكندرية الدولي للكتاب مجرد لقاء فكري يتناول مفهوم السلام من منظور ديني، بل جاءت لتؤكد أن السلام لم يعد شعارًا أخلاقيًا يرفع في المناسبات، وإنما مشروع حضاري يحتاج إلى خطاب واعي وممارسة عملية، في زمن تتسع فيه دوائر الصراعات وتتراجع فيه قيم الحوار والتسامح.

اللافت في الندوة أنها جمعت أصواتًا تنتمي إلى خلفيات دينية وفكرية مختلفة، لكنها التقت جميعًا عند نقطة واحدة وهي أن الرسالات الإلهية جاءت من أجل الإنسان، وأن جوهرها الحقيقي يتمثل في الرحمة والعدل والتعايش بعيدًا عن خطابات الإقصاء والكراهية التي شوّهت صورة الدين في كثير من الأحيان.

وقد برز اسم المفكر العربي الكبير الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي باعتباره صاحب رؤية فكرية تسعى إلى إعادة قراءة الخطاب الديني من منطلق قرآني يرسخ قيم السلام والكرامة الإنسانية، وهو ما انعكس في كلمات المشاركين الذين أكدوا أن مشروعه الفكري لا يقف عند حدود التنظير، بل يمتد إلى تقديم معالجات لقضايا المجتمع والأسرة والحوار بين أتباع الديانات المختلفة، انطلاقًا من أن القرآن الكريم هو المرجعية التي تدعو إلى احترام الإنسان والتعايش بين البشر.

ومن أبرز الرسائل التي حملتها الندوة التأكيد على أن الوحدة الوطنية المصرية ليست مجرد شعار سياسي، وإنما حقيقة تاريخية أثبتتها المواقف عبر العقود، وهو ما ظهر بوضوح في كلمات رجال الدين الإسلامي والمسيحي الذين استعادوا مواقف وطنية جسدت تلاحم المصريين في مواجهة الأزمات، مؤكدين أن الاختلاف الديني لم يكن يومًا سببًا للانقسام بل كان مصدرًا لإثراء التجربة الإنسانية والوطنية.

كما أن الحديث عن كتاب “القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية” وما حققه من انتشار عالمي وترجمته إلى عدة لغات، يعكس اهتمام المؤسسة بفتح مساحات جديدة للحوار بين أتباع الرسالات الإلهية.بعيدًا عن الجدل العقائدي، وبما يسهم في بناء جسور من التفاهم والاحترام المتبادل.

ولم تغفل الندوة الإشارة إلى القضايا الفكرية والاجتماعية التي تناولها مشروع علي محمد الشرفاء الحمادي في مؤلفاته المختلفة، سواء ما يتعلق بتجديد الخطاب الديني، أو حماية الأسرة، أو معالجة القضايا الاقتصادية من خلال رؤية قرآنية، وهي موضوعات تؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من بناء الوعي قبل إصدار الأحكام أو إطلاق الشعارات.

الرسالة الأهم التي خرجت بها الندوة أن السلام لا يبدأ من الاتفاق الكامل بين البشر، وإنما من قبول الاختلاف باعتباره سنة كونية، وأن مسؤولية المؤسسات الفكرية والثقافية والدينية اليوم هي إعادة الاعتبار لقيم الحوار والعقل واحترام الإنسان، حتى لا تتحول الخلافات إلى صراعات تهدد المجتمعات.

وفي ظل ما يشهده العالم من أزمات سياسية ودينية متلاحقة، تبدو مثل هذه الندوات أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنها تطرح بديلًا يقوم على المعرفة بدلًا من التعصب، وعلى الحوار بدلًا من الصدام، وعلى المشترك الإنساني بدلًا من الانقسام.

لقد قدمت ندوة الإسكندرية نموذجًا لحوار مسؤول يجمع بين الفكر والدين والوطنية، وأكدت أن السلام الحقيقي لا يتحقق بالخطابات وحدها، وإنما بترسيخ ثقافة تؤمن بأن كرامة الإنسان واحترام الآخر هما الأساس الذي تبنى عليه المجتمعات المستقرة، وهي الرسالة التي سعت مؤسسة رسالة السلام العالمية إلى إيصالها من خلال هذه الفعالية، لتبقى الدعوة إلى السلام مشروعًا مستمرًا يتجاوز حدود الندوات إلى واقع ينعكس في سلوك الأفراد والمجتمعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);