مقالات

علاء عبدالله يكتب: هل أزمة العالم في الحروب أم في المبادئ؟ قراءة في رؤية علي الشرفاء الحمادي لبناء نظام عالمي يقوم على العدل

يقدم هذا الطرح المستند إلى أفكار المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي قراءة تتجاوز التحليلات السياسية التقليدية التي تنشغل بالأحداث اليومية، لينتقل إلى مستوى أعمق يبحث في الجذور الفكرية والأخلاقية التي تحكم النظام الدولي، فبدلاً من الوقوف عند مشاهد الحروب والصراعات باعتبارها المشكلة الأساسية، يطرح سؤالًا أكثر جوهرية: على أي مبدأ يقوم العالم؟ وهو سؤال يرى الكاتب أنه يمثل مفتاح فهم الأزمات المتلاحقة التي يعيشها الإنسان في العصر الحديث.

تكمن أهمية هذه الرؤية في أنها تدعو إلى الانتقال من متابعة النتائج إلى البحث عن الأسباب، فالحروب، النزاعات، والاضطرابات السياسية ليست – وفق هذا المنظور – أحداثًا منفصلة أو عشوائية، وإنما هي انعكاس مباشر للمبادئ التي تحكم العلاقات الدولية، وعندما يصبح ميزان القوة هو المحدد الأول للحقوق والقرارات فإن الصراع يتحول إلى نتيجة طبيعية لا إلى استثناء.

ومن أكثر المحاور إثارة في هذا الطرح قراءة نظام حق النقض (الفيتو) باعتباره نموذجًا يعكس فلسفة النظام العالمي المعاصر، فالكاتب لا يناقش الفيتو من زاوية قانونية أو سياسية فحسب، بل يراه تعبيرًا عن خلل بنيوي يمنح القوة امتيازًا يتجاوز مبدأ المساواة بين الدول، وهو ما يجعل العدالة الدولية رهينة لموازين النفوذ أكثر من ارتباطها بالقيم الإنسانية أو بالقانون.

كما يلفت المقال الانتباه إلى مفارقة يعيشها العالم الحديث؛ إذ حققت البشرية قفزات هائلة في مجالات التكنولوجيا والاتصال والمعرفة، لكنها لم تحقق التقدم ذاته في بناء منظومة أخلاقية تضبط استخدام هذه القوة، فالتكنولوجيا مهما بلغت من تطور، لا تستطيع وحدها صناعة السلام إذا كانت تدار بمنطق الهيمنة، كما أن القوة العسكرية والاقتصادية لا يمكن أن تؤسس لاستقرار دائم ما لم تستند إلى قيم العدل والإنصاف.

وفي هذا السياق يستحضر علي الشرفاء الحمادي المفهوم القرآني باعتباره أكثر من مجرد ظلم فردي، بل مرض يصيب بنية المجتمع والنظام السياسي بأكمله، ويقدم هذا المفهوم بوصفه تفسيرًا لدورات الصراع المتكررة التي شهدها التاريخ، حيث يؤدي غياب العدالة إلى إنتاج مزيد من العنف مهما امتلكت الدول من إمكانات القوة.

ومن زاوية فكرية، يعكس هذا الطرح أحد المرتكزات الأساسية في مشروع علي الشرفاء الحمادي القائم على أن الإصلاح يبدأ من المبادئ قبل الأدوات، ومن القيم قبل المصالح، فالسلام في رؤيته ليس اتفاقًا مؤقتًا أو هدنة سياسية، وإنما نتيجة طبيعية لنظام يقوم على احترام الإنسان، صيانة الحقوق، وإعلاء قيمة العدل فوق اعتبارات القوة والنفوذ.

كما يدعو المقال إلى إعادة توجيه الجهد العالمي من معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء منظومة تمنع أسبابها من الأساس، فبدلًا من الاكتفاء بإدارة الصراعات أو احتوائها يطرح الكاتب ضرورة إعادة النظر في القواعد التي تحكم العلاقات الدولية، بما يضمن ألا تصبح القوة معيارًا للحق، ولا تتحول المصالح إلى مبرر لتجاهل العدالة.

وفي النهاية، يطرح المقال قضية تتجاوز اللحظة السياسية الراهنة، إذ يدعو القارئ إلى التفكير في مستقبل البشرية من منظور أخلاقي وحضاري، معتبرًا أن السؤال الحقيقي ليس من يملك القوة ولا من يقود العالم، وإنما أي القيم والمبادئ ينبغي أن تحكم هذا العالم، ومن خلال هذا المنظور يقدم علي الشرفاء الحمادي رؤية تؤكد أن بناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا يبدأ بإعادة الاعتبار للعدل باعتباره الأساس الذي تقوم عليه الحضارات، والضمان الحقيقي لتحقيق السلام بين الشعوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);