مقالات

علا فهمي تكتب … قيمة النجاح… هل يُقاس الإنسان بما يحققه أم بما يحمله بداخله؟

 

منذ الطفولة نتعلم أن النجاح هو الوصول إلى القمة؛ درجات مرتفعة، وظيفة مرموقة، دخل كبير، أو مكانة تجعل الآخرين ينظرون إلينا بإعجاب. ومع مرور الوقت يتحول النجاح من هدف نسعى إليه إلى معيار يحكم به المجتمع على قيمة الإنسان، فنبدأ في تصنيف الأشخاص بين ناجحين وفاشلين، وكأن حياة الإنسان يمكن اختزالها في قائمة من الإنجازات.

لكن هل النجاح هو ما يحدد قيمة الإنسان فعلًا؟

الحقيقة أن النجاح قيمة مهمة، فهو يمنح الإنسان شعورًا بالإنجاز والثقة والقدرة على التأثير، لكنه ليس المصدر الوحيد لقيمته. فالإنسان لا يصبح أكثر قيمة لأنه امتلك مالًا أكثر، ولا تقل قيمته لأنه تأخر في الوصول أو اختار طريقًا مختلفًا عن الآخرين.

المشكلة ليست في السعي للنجاح، بل في النظرة الضيقة لمعناه. فهناك من يحقق نجاحًا كبيرًا بمقاييس الناس، لكنه يعيش فراغًا داخليًا، وهناك من لم يصل إلى ما حلم به بعد، لكنه يمتلك قوة وصبرًا وقدرة على مواجهة الحياة تستحق التقدير.

كثيرون يحملون داخلهم شعورًا بالهزيمة لأنهم لم يحققوا مقاييس المجتمع. ينسون أن بعض أعظم النجاحات لا تظهر في الشهادات أو المناصب، بل في القدرة على النهوض بعد السقوط، وفي التعلم من التجارب، وفي الحفاظ على الإنسانية رغم الصعوبات.

قيمة الإنسان الحقيقية لا تأتي فقط مما يملك أو ينجز، بل من شخصيته، ومبادئه، و صموده بعد الانكسار.

ولعل من أكثر الأفكار التي تمنح الإنسان قوة في لحظات الانكسار تلك المقولة المتداولة: “ما كان الشر ليهاجمك بهذه القوة، لو لم يكن هناك شيء ثمين بداخلك… فاللصوص لا يسرقون البيوت الفارغة.”
فالمعنى العميق وراء هذه الكلمات أن ما نواجهه من تحديات لا يجب دائمًا أن يُفسر على أنه علامة ضعف أو فشل، فقد تكون الصعوبات أحيانًا دليلًا على وجود قيمة نحملها، أو حلم نسعى إليه، أو مبادئ نتمسك بها. فالإنسان الذي يملك شيئًا ثمينًا بداخله يكون أكثر عرضة للاختبار، لأن لديه ما يستحق الدفاع عنه والحفاظ عليه.

وربما أعظم النجاحات هي تلك التي لا يراها أحد؛ معارك صامتة تنتهي بإنسان أكثر وعيًا وصلابة. و حينها ندرك جيداً ان قيمة الإنسان ليست فيما كسب من الحياة، بل فيما لم تستطع الحياة أن تنتزعه منه.

و اخيراً ربما نحتاج أن نعيد تعريف النجاح؛ فليس كل من تأخر قد فشل، وليس كل من وصل قد انتصر. النجاح الحقيقي هو أن يصبح الإنسان نسخة أفضل من نفسه، وأن يجد معنى لحياته، وأن يدرك أن قيمته كانت موجودة قبل أي إنجاز وبعده.

فالإنسان ليس رقمًا في قائمة نجاحات، بل قصة كاملة تستحق أن تُروى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);