علاء عبدالله يكتب: هل اختزل الدين في العبادات؟ قراءة في دعوة إلى استعادة “خارطة الطريق الإلهية”

يطرح مقال المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي حول “الفكر الإسلامي” سؤالًا يتجاوز حدود المصطلحات الدينية المتداولة، ليمس واحدة من أكثر القضايا حساسية في علاقتنا بالنص الديني والموروث الفكري؛ هل نجحنا بالفعل في تقديم جوهر الرسالة القرآنية كما هي، أم أن تراكم القراءات والتفسيرات والمصطلحات عبر التاريخ أسهم في تكوين صورة جزئية عن الدين؟
هذه هي الفكرة الأساسية التي تنطلق منها رسالة الشرفاء الحمادي، مؤسس مؤسسة رسالة السلام العالمية، والتي يحاول المحتوى تقديمها في صورة قراءة تفكيكية تدعو إلى إعادة النظر في عدد من المفاهيم التي أصبحت راسخة في الوعي الجمعي، وعلى رأسها مصطلح “الفكر الإسلامي”.
ولا تكمن أهمية الطرح فقط في الإجابات التي يقدمها، وإنما في الأسئلة التي يفتحها أمام القارئ، وفي دعوته إلى العودة للنص القرآني باعتباره المصدر الذي ينبغي أن يكون محور النقاش عند محاولة فهم مقاصد الرسالة الدينية.
ومن أبرز النقاط التي يركز عليها المحتوى مناقشة مصطلح “الفكر الإسلامي”، انطلاقًا من أن الفكر بطبيعته جهد بشري قابل للنقاش والمراجعة والخطأ والصواب، بينما ينظر إلى الرسالة الإلهية باعتبارها مصدرًا مختلفًا في طبيعتها عن إنتاج الإنسان الفكري، ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين النص الإلهي وبين القراءات البشرية للنص.
فالمشكلة، وفق الرؤية التي يعرضها المحتوى، لا تكمن في التفكير أو الاجتهاد في حد ذاته، وإنما في احتمال أن تتحول بعض القراءات البشرية مع مرور الزمن إلى مرجعيات ثابتة، بحيث يصبح من الصعب التمييز بين ما يقوله النص وما أنتجه المفسر أو الفقيه أو المفكر، وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل نحن أمام الدين كما جاء في مصدره، أم أمام طبقات متراكمة من الفهم البشري للدين؟
ومن أكثر الأفكار إثارة في المحتوى ما يتعلق بمحاولة قياس مساحة الآيات التي تتناول العبادات مقارنة بالمساحة الأوسع التي تتناول شؤون الإنسان وعلاقاته وسلوكه، ويشير الطرح إلى أن الآيات المتعلقة بشعائر العبادة تمثل نسبة محدودة، تقدر في المحتوى بنحو 3%، بينما تتجه النسبة الأكبر إلى موضوعات ترتبط بالإنسان والمجتمع والأخلاق والمعاملات والمسؤولية الفردية، وهذه الفكرة بعيدًا عن الجدل حول دقة النسبة وطريقة احتسابها، تفتح بابًا مهمًا للتأمل في طبيعة الرسالة القرآنية نفسها.
فإذا كان القرآن يتناول حياة الإنسان في جوانب متعددة، فإن اختزال الدين في أداء الشعائر وحدها قد يؤدي إلى إغفال جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بكيفية تعامل الإنسان مع غيره، وبالقيم التي تحكم سلوكه، وبالعدل والأمانة والمسؤولية واحترام الحقوق.
ربما تكون النقطة الأكثر أهمية في هذا الطرح هي محاولة نقل النقاش من سؤال: كيف يعبد الإنسان؟ إلى سؤال أوسع: كيف يعيش الإنسان؟، فالدين، وفق الرؤية التي يقدمها المحتوى، لا ينتهي عند لحظة العبادة، وإنما تظهر آثاره الحقيقية في السلوك اليومي.
فماذا تعني العبادة إذا لم تنعكس على علاقة الإنسان بأسرته ومجتمعه؟ وماذا تعني المعرفة الدينية إذا لم تؤدِ إلى احترام الحقوق والابتعاد عن الظلم والكذب والاعتداء؟، وهنا تتبلور فكرة “خارطة الطريق الإلهية” التي يتحدث عنها المحتوى؛ فالقرآن، وفق هذا التصور، لا يقدم فقط مجموعة من الشعائر، وإنما يضع منظومة من القيم والمبادئ التي يمكن أن تنظم علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين وبالمجتمع.
ومن الأفكار التي تستحق التوقف عندها كذلك التأكيد على مبدأ المسؤولية الفردية، فالإنسان، بحسب الطرح القرآني الذي يستند إليه المحتوى، لا يستطيع تحميل الآخرين نتائج أفعاله، كما لا يمكنه أن يجعل الانتماء إلى جماعة أو تيار أو مؤسسة وسيلة للهروب من مسؤوليته الشخصية.
وهذه الفكرة تحمل بعدًا اجتماعيًا مهمًا؛ لأن المجتمعات التي يزداد فيها شعور الفرد بالمسؤولية تصبح أكثر قدرة على مواجهة الفساد والظلم والفوضى، فالإصلاح لا يبدأ دائمًا من المؤسسات الكبرى، وإنما قد يبدأ من الإنسان عندما يدرك أن اختياراته اليومية لها نتائج تتجاوز شخصه.
والطرح الذي تقدمه الرسالة لا يكتفي بمناقشة المصطلحات، وإنما يفتح قضية أكبر تتعلق بالموروث، وهنا ينبغي التفرقة بين احترام التراث وبين تحويل التراث إلى سلطة لا تقبل النقاش، فالموروث الإنساني، مهما بلغت قيمته، يظل نتاجًا لتجارب بشر عاشوا في ظروف تاريخية واجتماعية مختلفة، ومن الطبيعي أن يخضع إنتاجهم الفكري للدراسة والنقد والمراجعة دون أن يعني ذلك إلغاء جهودهم أو التقليل من قيمتها.
والقراءة النقدية للموروث لا تعني بالضرورة رفضه، وإنما تعني وضعه في سياقه، والتمييز بين ما هو نص وما هو فهم للنص، ويتوقف المحتوى عند رد فعل الأستاذ بهجة العبيدي على الرسالة، حين عبّر عن دهشته من النظر إلى مصطلح “الفكر الإسلامي” من هذه الزاوية.
وهذه الدهشة في حد ذاتها تحمل دلالة مهمة؛ فالمصطلحات التي تتكرر أمام الإنسان لعقود قد تتحول إلى مسلمات لا يفكر في أصولها أو دلالاتها، ومن هنا تأتي أهمية المراجعة الفكرية؛ إذ إن السؤال عن معنى المصطلح لا يعني بالضرورة رفضه، وإنما محاولة فهم ما الذي نقصده عندما نستخدمه، وما الحدود التي نضعها بين الفكر والدين، وبين التفسير والنص، وبين الموروث والحقيقة الدينية.
وهنا ربما يكون من الضروري التأكيد على أن القضية التي يطرحها المحتوى ليست دعوة إلى التقليل من شأن العبادات أو إهمالها، وإنما إلى رفض اختزال الدين فيها، فالعبادات تحتل مكانة أساسية في حياة المؤمن، لكن الإشكالية تبدأ عندما تصبح الشعائر هي الصورة الوحيدة التي يقدم من خلالها الدين، بينما تختفي من المشهد القيم التي يفترض أن تنعكس على حياة الإنسان وسلوكه.
وبهذا المعنى، فإن الدعوة الأساسية ليست إلى الانتقال من العبادة إلى الحياة، وإنما إلى إعادة وصل العبادة بالحياة؛ بحيث تصبح الأخلاق والمعاملات والرحمة والعدل والأمانة والمسؤولية امتدادًا طبيعيًا للإيمان.
ويضعنا المحتوى أمام قضية شديدة الأهمية: كيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع النص الديني دون أن يقع أسيرًا لقراءة واحدة أو تفسير واحد؟، وهذا السؤال لا يحمل إجابة بسيطة، لكنه يمثل بداية حقيقية لأي مشروع إصلاح فكري.
فالتعامل الواعي مع النص يحتاج إلى قدرة على القراءة والتدبر، وفي الوقت نفسه إلى إدراك أن التفسير البشري ليس هو النص ذاته، وأن اختلاف البشر في الفهم لا ينبغي أن يتحول إلى صراع يلغي أحدهم الآخر، ومن هنا فإن تحرير العقل، كما يدعو المحتوى، لا يعني التحرر من الدين، وإنما يمكن أن يعني التحرر من التعامل مع الفهم البشري باعتباره الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل المراجعة.
في النهاية، يمكن قراءة رسالة علي محمد الشرفاء الحمادي باعتبارها دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات في الخطاب الديني؛ بحيث لا يظل الإنسان منشغلًا فقط بما يفعله في نطاق العبادة، وإنما يهتم كذلك بما يفعله في حياته اليومية ومع الآخرين، وهذا يجعل مفهوم السلام الذي تتبناه مؤسسة رسالة السلام العالمية مرتبطًا بفكرة أوسع من مجرد غياب الصراع؛ فهو سلام يبدأ من داخل الإنسان، ثم ينعكس على علاقته بالآخر والمجتمع.
وربما تكون القيمة الأبرز في هذا المحتوى أنه لا يطلب من القارئ أن يكتفي بتلقي إجابة جاهزة، وإنما يدفعه إلى طرح السؤال من جديد: هل نعيش جوهر الرسالة الدينية، أم نعيش الصورة التي تراكمت حولها عبر قرون من التفسيرات والموروثات؟، وقد يختلف القارئ مع بعض أطروحات الرسالة، وقد يتفق مع بعضها الآخر، لكن الأهم أن يبقى باب التفكير مفتوحًا؛ لأن المجتمعات لا تتقدم عندما تخشى الأسئلة، وإنما عندما تمتلك الشجاعة لطرحها والقدرة على مناقشتها بعقل مفتوح.
وهنا تتجلى أهمية الدعوة إلى العودة للمصدر القرآني، لا باعتبارها إلغاءً للتراث أو عداءً للتاريخ، وإنما باعتبارها محاولة للتمييز بين النص وما قيل عنه، وبين الرسالة وتفسيرات البشر لها، وربما تكون هذه هي البداية الحقيقية لأي وعي جديد: أن نعيد التفكير في المسلمات، وأن نبحث عن جوهر الرسالة في أثرها على الإنسان، وفي قدرتها على صناعة مجتمع أكثر عدلًا ورحمة وسلامًا.





