علاء عبدالله يكتب: حين تتحول الأفكار إلى جسور.. رسالة السلام تفتح نافذة جديدة للحوار مع جيبوتي

يكشف لقاء وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية بالقاهرة مع سفير جمهورية جيبوتي بالقاهرة عن توجه يتجاوز حدود اللقاءات البروتوكولية، ليضع الحوار الفكري والثقافي في قلب الجهود الرامية إلى تعزيز التواصل بين الشعوب، قاللقاء لم يكن مجرد مناسبة للتعريف بمؤسسة أو استعراض إصدارات، وإنما حمل دلالة أوسع تتعلق بأهمية طرح الأفكار التي تدعو إلى السلام والتسامح والرحمة والعدل في مساحة الحوار العربي والدولي.
وتبرز أهمية اللقاء من طبيعة الأطراف المشاركة فيه، إذ جمع مؤسسة فكرية مع ممثل دبلوماسي لدولة ترتبط بعلاقات عربية وإفريقية واسعة، ومن هنا تأتي قيمة الحوار الذي يفتح المجال أمام تبادل الرؤى بعيدًا عن اللغة السياسية التقليدية، ويمنح الثقافة والفكر فرصة للقيام بدور أكثر تأثيرًا في بناء جسور التفاهم.
وتحاول مؤسسة رسالة السلام العالمية وفق ما طرحه وفدها خلال اللقاء، تقديم خطاب يرتكز على قيم إنسانية تعتبرها المؤسسة أساسًا لمواجهة مظاهر العنف والكراهية والانقسام، مع التركيز على مفاهيم الرحمة والعدل والتسامح والأخوة الإنسانية، ومن اللافت في اللقاء أن التعريف برسالة المؤسسة لم يتوقف عند الحديث النظري، بل ارتبط بمجموعة من مؤلفات مؤسسها المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، التي جرى تقديمها للسفير، بما يعكس رغبة في نقل الأفكار من صفحات الكتب إلى دوائر الحوار المجتمعي والثقافي.
وتحمل هذه الخطوة دلالة مهمة، فالفكرة لا تصبح مؤثرة بمجرد طرحها وإنما تكتسب قيمتها عندما تجد طريقها إلى النقاش والتفاعل، خصوصًا عندما تتناول قضايا تمس حياة المجتمعات واستقرارها، مثل التسامح والتعايش والعدل ونبذ التطرف.
الرسالة الفكرية التي عرضها وفد المؤسسة خلال اللقاء تقوم على الدعوة إلى العودة إلى القيم القرآنية باعتبارها إطارًا لتحقيق السلام وصون كرامة الإنسان، وهي رؤية تضع القيم الدينية في مواجهة الاستخدامات التي قد تقود إلى الانقسام أو الكراهية، وتؤكد في المقابل على مفاهيم الرحمة والعدل والمساواة، زهنا تظهر أهمية النقاش الفكري الهادئ حول النصوص الدينية ومقاصدها الإنسانية، خصوصًا في ظل عالم يحتاج إلى خطاب قادر على بناء مساحات مشتركة بدلًا من توسيع دوائر الاختلاف.
ويمثل اللقاء مع السفير الجيبوتي أيضًا جزءًا من مسار أوسع تسعى المؤسسة من خلاله إلى توسيع علاقاتها مع البعثات الدبلوماسية والمؤسسات الفكرية والثقافية، وهذا النوع من التواصل يمكن أن يمنح المبادرات الفكرية مساحة أكبر للوصول إلى جمهور متنوع، كما يفتح المجال أمام مشروعات مستقبلية قائمة على الحوار وتبادل الخبرات، وتكتسب هذه التحركات أهميتها من أن مواجهة التطرف وخطاب الكراهية لا تعتمد فقط على الإجراءات الأمنية أو السياسية، وإنما تحتاج كذلك إلى بناء وعي ثقافي وفكري قادر على تقديم بدائل تقوم على التفاهم واحترام الإنسان.
ويحمل حضور السفير الجيبوتي في هذا اللقاء بعدًا مهمًا، خاصة أن جيبوتي تمثل نقطة اتصال بين العالم العربي والقرن الإفريقي، وبالتالي فإن التواصل معها يضيف بعدًا إقليميًا إلى جهود الحوار، ويعزز فكرة أن نشر ثقافة السلام لا ينبغي أن يتوقف عند الحدود الجغرافية.
كما أن تبادل الإصدارات بين الجانبين يعكس صورة من صور التواصل الثقافي، حيث قدم وفد المؤسسة عددًا من الكتب للسفير، بينما قدم السفير نسخًا من مجلة “صدى سفارة جمهورية جيبوتي بالقاهرة”، في مشهد يعبر عن تبادل المعرفة والانفتاح على تجارب كل طرف، والرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من هذا اللقاء أن صناعة السلام تبدأ أحيانًا من مساحة تبدو بسيطة: جلسة حوار، أو كتاب، أو نقاش فكري، أو تواصل بين مؤسسات تنتمي إلى بيئات مختلفة. لكن تراكم هذه المساحات الصغيرة قد يصنع في النهاية شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية والثقافية.
ومن هذه الزاوية، فإن لقاء مؤسسة رسالة السلام العالمية بالسفير الجيبوتي يمكن قراءته باعتباره خطوة ضمن مسار يسعى إلى جعل الحوار وسيلة للتقارب، وتحويل القيم التي تتحدث عنها المؤسسة من مفاهيم مجردة إلى موضوعات للنقاش والتفاعل بين الثقافات.
وفي عالم تتسع فيه دوائر الاستقطاب وتتصاعد فيه الحاجة إلى خطاب يواجه الكراهية والانقسام، تظل قيمة أي مبادرة مرتبطة بقدرتها على فتح أبواب الحوار، والاستماع إلى الآخر، والبحث عن القيم الإنسانية المشتركة، وهنا تكمن أهمية هذا اللقاء؛ فالقضية لم تعد فقط في تقديم رؤية فكرية، وإنما في القدرة على الوصول بها إلى مساحات أوسع من النقاش، وبناء جسور بين المؤسسات والمجتمعات، بحيث يصبح السلام ثقافة تناقش وتمارس، لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات.






