رحيل سعيد بنجبلي: الناشط المغربي الذي أثار الجدل وصارع الاضطراب النفسي

شهدت وسائل التواصل الاجتماعي في المغرب موجة من الجدل بعد الإعلان عن وفاة الناشط والمدون المغربي سعيد بنجبلي في مدينة بوسطن الأمريكية عن عمر يناهز 46 عامًا. كان بنجبلي أحد الأسماء البارزة في الحياة السياسية المغربية، وارتبط اسمه بحركة “20 فبراير” التي انطلقت في عام 2011 في إطار احتجاجات “الربيع العربي”. خبر وفاته لم يكن مفاجئًا فحسب، بل أثار أيضًا تساؤلات حول حياته المليئة بالتحديات والصراعات النفسية، مما جعله محطّ اهتمام وسائل الإعلام والنشطاء على السواء.
سعيد بنجبلي: من الحركة الاحتجاجية إلى القضايا الفكرية والسياسية
منذ انطلاق حركة 20 فبراير، كان بنجبلي واحدًا من أبرز الوجوه التي حملت شعارات التغيير والدعوة للإصلاحات السياسية في المغرب. انخرط في قضايا اجتماعية وسياسية أثارت الجدل في المغرب والعالم العربي، وكان له دور ريادي في الدعوة إلى التظاهر ضد الفساد والاستبداد. إضافة إلى نشاطه السياسي، كان بنجبلي عضوًا في جماعة العدل والإحسان، وهو تيار إسلامي ذا توجهات معارضة في المغرب. تلقى دراسته في المجال الإسلامي، وحصل على شهادة البكالوريوس في الدراسات الإسلامية، ما ساعده في تشكيل رؤاه الفكرية والسياسية.
لكن حياته لم تكن خالية من الجدل. ففي مرحلة مبكرة من حياته الجامعية، تعرض للاعتقال في مدينة فاس بتهم تتعلق بـ”تحريض” الطلاب على مقاطعة الامتحانات. رغم هذه التحديات، استمر في التعبير عن آرائه بكل قوة، الأمر الذي جعله شخصية مثيرة للجدل في المغرب.
أزمة صحية تلتها مأساة إنسانية
انتقل بنجبلي إلى الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الأخيرة من حياته، حيث استقر في مدينة بوسطن. إلا أن حياته لم تخلُ من معاناة صحية مزمنة. فقد كان يعاني من اضطراب ثنائي القطب، وهو اضطراب نفسي يؤثر على المزاج والطاقة، ويؤدي إلى تقلبات حادة بين فترات من الاكتئاب والهوس. في السنوات الأخيرة، ازدادت معاناته، مما جعله يواجه صراعًا طويلًا مع مرضه النفسي.
بعد الإعلان عن وفاته، تفاعل العديد من النشطاء والمغردين على منصات التواصل الاجتماعي، إذ أعربوا عن تعاطفهم مع الرجل الذي تعرض لصراع طويل مع المرض النفسي. بعضهم أشار إلى الرسالة التي تم تداولها على نطاق واسع، والتي نسبت إليه قبل وفاته. في تلك الرسالة، تحدث بنجبلي عن معاناته من اضطراب ثنائي القطب، وأوضح كيف أثر هذا المرض على حياته بشكل قاسي، موضحًا أن المرض هو السبب وراء رحيله وليس أي عوامل أخرى. كما اعتذر لعائلته، وخاصة لابنه الصغير، مؤكداً أن معاناته كانت خارجة عن إرادته.
ردود فعل وتعاطف واسع
كان للخبر تأثير كبير على النشطاء عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث كتب العديد منهم رسائل تعاطف ورثاء. أحد المغردين قال: “سلاماً ومحبةً لروح الكاتب والمدوّن المغربي سعيد بنجبلي.. الذي اختار التحرر من الحياة بعد صراع طويل مع اضطراب ثنائي القطب”. آخرون دعوا إلى احترام مشاعر الأفراد الذين يعانون من الأمراض النفسية، ورفضوا التنمر على المرضى النفسيين، مؤكدين أن مرض بنجبلي كان سببًا رئيسيًا في وفاته.
في هذا السياق، تناول البعض قضية الصحة النفسية بشكل عام، مشيرين إلى أن اضطراب ثنائي القطب هو من بين الأمراض النفسية الأكثر تعقيدًا وصعوبة في التعامل معها. كما تذكر المغردون أن المجتمع يجب أن يكون أكثر دعمًا وتفهّمًا تجاه المرضى النفسيين، بدلًا من الهجوم عليهم أو استنكار معاناتهم.
رحيل سعيد بنجبلي يمثل خسارة كبيرة لمجتمع الفكر والسياسة في المغرب. فقد كان شخصية مثيرة للجدل، نافذة في التفكير والتحليل، ولكن في الوقت نفسه، كان يعاني من معاناة حقيقية بسبب اضطراب نفسي معقد. تبقى رسالته الأخيرة رسالة مؤلمة تعكس صراعًا داخليًا مع المرض الذي فرض عليه أوجاعًا لم يستطع تحملها. ولكن، تبقى ذكراه حية في ذاكرة الذين تابعوا نشاطه السياسي والفكري، وأثره في الحركة الاحتجاجية المغربية، وفي القلب من هذا كله، يظل الحديث عن الأمراض النفسية وأهمية التفاهم والرحمة مع مرضى مثل بنجبلي أمرًا ملحًا يجب أن نتنبه له في مجتمعاتنا.