الخرطوم تجرّ الإمارات إلى محكمة العدل الدولية بتهم خطيرة تتعلق بالإبادة الجماعية في دارفور

في تطورٍ قانوني ودبلوماسي لافت قد يعيد رسم ملامح التوازنات الإقليمية في القرن الإفريقي، وجّهت الحكومة السودانية اتهامات مباشرة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة أمام محكمة العدل الدولية، متهمةً إياها بـ”التواطؤ في الإبادة الجماعية” ضد قبيلة المساليت في إقليم دارفور، وذلك عبر ما وصفته بـ”الدعم العسكري المستمر لقوات الدعم السريع”، القوة التي دخلت في نزاع دموي مع الجيش السوداني منذ أبريل 2023.
وقال وزير العدل السوداني المكلّف، معاوية عثمان، خلال افتتاح جلسات المحكمة في لاهاي، إن الدعم الإماراتي المزعوم لقوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها شكّل “المحرّك الرئيسي لجرائم الإبادة الجماعية”، مشيراً إلى أن هذه الجرائم تشمل عمليات قتل جماعي، واغتصاب ممنهج، وتهجير قسري، ونهب واسع النطاق.
السودان يأمل من خلال هذه الخطوة أن تُجبر المحكمة الدولية أبوظبي على وقف دعمها المفترض، وأن تضمن تعويضاً لضحايا الحرب، الذين يتجاوز عددهم مئات الآلاف بين قتلى ومهجّرين. ويدّعي السودان أن هذا الدعم لا ينتهك فقط مبادئ القانون الدولي، بل يشكّل خرقاً مباشراً لاتفاقية الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية لعام 1948، والتي تلزم الدول الأعضاء بمنع هذه الجرائم أو المعاقبة عليها أو الامتناع عن التواطؤ في ارتكابها.
في المقابل، ردّت الإمارات بقوة على الاتهامات، ووصفتها بأنها “محاولة استغلال سياسي لمؤسسة دولية محترمة”. وقالت ريم كتيت، وهي مسؤولة رفيعة تمثّل الإمارات في القضية، إن الادعاءات السودانية “تفتقر كلياً إلى الأساس القانوني أو الواقعي”، معتبرة أن ما يحتاجه السودان اليوم هو “وقف فوري لإطلاق النار، والتزام حقيقي من الطرفين المتحاربين بالتفاوض نحو حل سلمي”، وليس “مسرحية قانونية”.
الحكومة الإماراتية كانت قد نفت مراراً وتكراراً تزويد قوات الدعم السريع بأي نوع من الأسلحة أو الدعم اللوجستي، فيما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على طرفي النزاع، متهمةً قوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية في دارفور، والجيش السوداني بشن هجمات على المدنيين.
ومع أن الخرطوم تبدو عازمة على الدفع بالقضية حتى النهاية، يرى خبراء القانون أن المسار القضائي قد يصطدم بعقبة قانونية كبيرة تتعلق باختصاص المحكمة. فالإمارات كانت قد انضمت إلى اتفاقية منع الإبادة الجماعية عام 2005، لكنها أبدت تحفظاً على المادة التاسعة، وهي البند الذي يتيح للدول إحالة النزاعات المتعلقة بالاتفاقية إلى محكمة العدل الدولية.
مايكل بيكر، أستاذ القانون الدولي في كلية ترينيتي بدبلن، كتب في تحليل نُشر حديثاً على موقع “أوبينيو جوريس” أن تحفظ الإمارات قد يدفع المحكمة إلى إعلان عدم اختصاصها في النظر في القضية، رغم خطورة الاتهامات. وأضاف أن الدعوى تثير “أسئلة قانونية مهمة”، خصوصاً حول مدى تقييد التحفظات لمسؤولية الدول في حال تورطها – سواء بالفعل أو بالإغفال – في جرائم كالإبادة الجماعية.
من جهتها، تؤكد الخرطوم أن تحفظ الإمارات “يتناقض بشكل صارخ مع روح وأهداف اتفاقية منع الإبادة الجماعية”، التي ترتكز على مبدأ المسؤولية الجماعية الدولية لوقف أكثر الجرائم فظاعة في تاريخ البشرية. ومع أن قرارات محكمة العدل الدولية تُعتبر ملزمة قانوناً، إلا أن تنفيذها يبقى رهين الإرادة السياسية، في ظل غياب أدوات تنفيذية مباشرة. وتجربة أوكرانيا، التي أمرت المحكمة روسيا بوقف عملياتها العسكرية ضدها عام 2022 دون أي نتيجة، لا تزال حاضرة كمثال حي على محدودية تأثير هذه الأحكام على الأرض.
بين الادعاءات المتصاعدة والردود القاطعة، يترقب المجتمع الدولي كيف ستتعاطى المحكمة مع هذا الملف المعقّد، الذي يتقاطع فيه القانون الدولي مع الجغرافيا السياسية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من توسّع رقعة الحرب السودانية، وتحوّلها إلى أزمة إقليمية أوسع.






