“الإيجار القديم”.. معركة التشريع بين التوازن والعدالة المؤجلة

رانيا سمير
في حي شعبي عتيق بالقاهرة، تعيش “أم حسين”، أرملة في الستين من عمرها، في شقة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 60 مترًا، بدفع إيجار شهري لا يتجاوز 12 جنيهًا. ترملت منذ أكثر من عقد، وتعيش على معاش محدود بالكاد يسد حاجتها من الدواء والغذاء. تسكن في هذه الشقة منذ أربعين عامًا، وتعتبرها “وطنًا لا يمكن اقتلاعه”.
على الطرف الآخر، يجلس الحاج “صلاح عبد الحميد”، مالك العقار ذاته، يتأمل بشحوبٍ جدران بيته المتآكلة، وهو يتمتم: “أنا أملك البناية، لكن لا أملك حق الانتفاع بها”. يؤكد أن دخله لا يتجاوز 300 جنيه شهريًا من 6 شقق مؤجرة بإيجار قديم، ورغم حاجته لإعادة ترميم البناية الآيلة للسقوط، فإنه عاجز قانونًا عن التصرف.
هذا التناقض الإنساني والقانوني، هو ما تحاول الحكومة اليوم معالجته من خلال مشروع قانون الإيجار القديم الجديد، الذي بدأ البرلمان أولى جلسات مناقشته في لجنة مشتركة من الإسكان والإدارة المحلية والشئون الدستورية.
الدولة: “نحو توازن لا مساس فيه بالكرامة”
في الجلسة الأولى، شدد المهندس شريف الشربيني، وزير الإسكان والمرافق، على أن الدولة تتعامل مع هذا الملف “بمنظور متوازن يجمع بين الإنصاف القانوني والبعد الإنساني”. وأضاف أن مشروع القانون لا يستهدف الإخلاء أو الإقصاء، بل يسعى إلى “معالجة تشريعية رشيدة لوضع قانوني طال أمده”، من خلال تطبيق تدريجي يعيد الاعتبار لحقوق الملاك دون هدم استقرار المستأجرين.
الوزير طمأن المواطنين بأن “أي إجراء بالإخلاء لن يتم إلا بعد توفير بديل كريم يحفظ كرامة المواطن ويصون أمنه السكني”، مؤكدًا أن النجاح لن يُقاس بمجرد إقرار القانون، بل بآليات تطبيقه وقدرته على خلق التوازن المجتمعي.
قضية ممتدة
من جانبه، أوضح المستشار محمود فوزي، وزير الشئون النيابية والقانونية، أن أزمة الإيجار القديم تتلخص في أمرين أساسيين: امتداد عقد الإيجار وثبات الأجرة، مشيرًا إلى أن المحكمة الدستورية أصدرت 39 حكمًا بشأن هذا الملف، منها 26 حكمًا بعدم دستورية بعض بنوده.
وأكد فوزي أن القانون المطروح اليوم يأتي استكمالاً لتعديلات سابقة بدأت بقانون الأماكن لغير غرض السكنى للأشخاص الاعتباريين، الصادر عام 2022، موضحًا أن البرلمان، بما يملكه من سلطة، قادر على تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، بما لا يتعارض مع أحكام الدستور.
اعتراضات حادة
لكن بين التصريحات الرسمية والمبادئ الدستورية، ثمة مخاوف عميقة لدى المستأجرين.
شريف الجعار، رئيس اتحاد مستأجري الإيجار القديم، عبّر في مداخلة تلفزيونية عن رفضه القاطع لفكرة الفترة الانتقالية ذات الخمس سنوات، معتبرًا أن هذا يضرب مبدأ الامتداد القانوني ويعرض آلاف الأسر للطرد التدريجي.
“نحن لا نرفض التشريع، بل نرفض أن يتصادم مع المبادئ الدستورية التي أرستها المحكمة”، قال الجعار، مضيفًا أن المقترحات الحكومية لا تراعي واقع ملايين المواطنين، ولا تنسجم مع القدرة المعيشية لغالبية المستأجرين.
وتابع معترضًا على القيمة المقترحة للإيجار: “1000 جنيه في المدن و500 في القرى؟ بعض القرى لا يوجد بها أصلاً سوق إيجارات، فما بالنا بإيجار قديم! هذه أرقام غير منطقية”.
داخل البرلمان
النقاش داخل البرلمان كان حادًا بدوره. النائب ضياء الدين داود اعتبر أننا “أمام سابقة في تنازع أحكام الدستورية”، داعيًا لإعادة دراسة المشروع. بينما تساءل النائب طارق شكري عن المادة (5) من القانون التي تنص على إنهاء العقود بعد خمس سنوات من تاريخ العمل به، وهي المادة التي وُصفت من بعض النواب بأنها قد تكون “كابوسًا” لكبار السن المستقرين في مساكنهم منذ عقود.
أما النائب أحمد السجيني، فرأى أن “أزمة القانون ليست في التعديلات، بل في التنفيذ”، مؤكدًا أنه لا يمكن القبول بطرد المسنين أو المساس بحق السكن دون حلول واقعية.
أشار النائب إيهاب الطماوي بدوره، إلى أن الخلافات تتركز على نقطتين: القيمة المقترحة خلال الفترة الانتقالية، وفكرة إنهاء العقود، مطالبًا باستمرار الاجتماعات للوصول إلى صيغة توافقية.
ملاك على الحافة.. ومستأجرون في الهشاشة
في محافظة الجيزة، تقول الحاجة “نجاة”، مستأجرة منذ عام 1978، تتقاضى معاشًا لا يتعدى 900 جنيه. تقول والدموع في عينيها: “أنا مش ضد القانون.. بس امشوا بينا بالراحة. أخرج من بيتي أروح فين؟”.
أما “أحمد شعبان”، مالك عقار في شبرا، فيقول: “الناس بتفتكرنا أغنيا.. عندي عمارة فيها 8 شقق، كلهم بدفعوا 15 جنيه. دهميجبش حق سندوتش فول ؟”.
بين سلطة التشريع وتفسيرات القضاء.. أين يقف البرلمان؟
وسط هذا الجدل القانوني والدستوري، برز صوت الدكتور أحمد البحيري، المستشار القانوني لرابطة ملاك الإيجار القديم، ليُعيد النقاش إلى مساره الدستوري الأصيل، مؤكدًا أن أحكام المحكمة الدستورية العليا لا تُقيد السلطة التشريعية. وأوضح أن مجلس النواب هو “سيد قراره”، بل يملك – من الناحية القانونية – صلاحية تعديل الدستور ذاته إذا اقتضت الضرورة.
وفي لقاء تلفزيوني عبر قناة “أزهري”، حذر البحيري من الخلط بين دور القضاء ودور البرلمان، مشددًا على أن “الأحكام القضائية تفسر النصوص ولا تُقيد يد المشرّع”. ورأى أن بعض الأصوات تُسيء فهم طبيعة الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية، مؤكدًا أن البرلمان يملك حرية التشريع، ما دام يتحرك في إطار احترام الدستور ومبادئه العامة.
جاءت تصريحات البحيري كرسالة دعم للملاك من جهة، لكنها أيضًا تعيد التأكيد على أهمية الفصل بين السلطات، وهو مبدأ جوهري في أي نقاش قانوني ناضج، خاصة حين يتعلق بملايين الأسر ومصالح ممتدة لعقود.






