أخبارسياسة

هل تتحول التجارة العالمية إلى ساحة لتصفية الحسابات في عهد ترامب؟

ترامب يصعد حرب الرسوم: ضغوط جمركية على الدول الصغيرة وتحذيرات من هز النظام التجاري العالمي

كتبت: رانيا سمير

في خطوة تعكس تشددًا غير مسبوق في السياسة التجارية الأمريكية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استمرار نهجه القائم على فرض رسوم جمركية مشددة على واردات عشرات الدول، بما في ذلك دول تُعد من أصغر الشركاء التجاريين لواشنطن، في ما وصفته صحيفة نيويورك تايمز بأنه “تصعيد استراتيجي يهدف لتصفية الحسابات، وليس لتنظيم التجارة”.

ورغم الانتقادات المتزايدة من داخل الولايات المتحدة وخارجها، تمسّك ترامب بمبدأ العجز التجاري كدليل على “استغلال” دول العالم للولايات المتحدة، متجاهلًا التفسيرات الاقتصادية الأوسع التي تربط هذه الفجوة بتفاوتات في القوة الشرائية، الإنتاج الصناعي، وسلوك المستهلك الأمريكي.

تصعيد جديد ضد دول “هامشية” اقتصاديًا

بحسب التقرير المنشور في نيويورك تايمز، وسّعت الإدارة الأمريكية الأربعاء قائمة الدول المستهدفة برسوم جمركية مزدوجة الرقم، لتشمل دولًا مثل الفلبين، سريلانكا، مولدوفا، ليبيا، العراق، الجزائر، وبروناي. ورغم أن بعضها لا يشكل وزنًا كبيرًا في الميزان التجاري الأمريكي، إلا أن ترامب أصر على التلويح بالعقوبات ما لم توقع تلك الدول اتفاقيات جديدة مع واشنطن قبل الأول من أغسطس.

وقد رأى محللون أن هذه الخطوة تعكس رؤية ترامب لمفهوم التجارة ليس فقط كساحة تنافس اقتصادي، بل كسلاح سياسي لتأكيد الهيمنة الأمريكية على القواعد الاقتصادية العالمية، حتى إن اقتضى الأمر فرض رسوم جمركية على دول غير مؤثرة.

استراتيجية لا تعبأ بحجم الدولة

تقول الصحيفة إن لغة الرسائل التي وجهها ترامب إلى حكومات هذه الدول كانت “متطابقة تقريبًا” مع رسائل سابقة وُجهت إلى دول أكبر حجمًا، في تأكيد على أن “الحجم لا يهم” حين يتعلّق الأمر برسوم ترامب العقابية. فالرئيس الأمريكي يعتبر أن أي دولة تحقق فائضًا تجاريًا مع الولايات المتحدة هي دولة تستغلها عمدًا، في قراءة أحادية تفتقد للحس الاقتصادي المتوازن.

عقوبات مشددة على البرازيل: السياسة تقتحم الاقتصاد

وفي تطور لافت، أعلن ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على جميع الواردات البرازيلية بدءًا من 1 أغسطس 2025، على خلفية اتهامات وجهها للرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا بـ”الاعتداء على الحريات” من خلال ما وصفه بـ”أوامر رقابة خفية” ضد شركات أمريكية على خلفية دعمها للرئيس السابق بولسونارو.

وقال ترامب في رسالة رسمية وجهها إلى الرئيس البرازيلي إن البرازيل “هاجمت الانتخابات الحرة وحرية التعبير في أمريكا”، وإنه “لن يقف متفرجًا”، ما يعكس تداخلًا حادًا بين الشأن السياسي الداخلي لدول أخرى والقرارات التجارية الأمريكية.

هل تُجدي هذه السياسات؟

رغم أن الرسوم الجمركية تبدو على المدى القريب وسيلة ضغط فعالة، إلا أن نيويورك تايمز تشير إلى أنها قد تفشل في معالجة السبب الحقيقي للعجز التجاري، المتمثل في رغبة المستهلك الأمريكي في شراء سلع أرخص وأحيانًا بجودة أعلى من الخارج. ويقول خبراء إن هذه السياسات قد تدفع الدول الأخرى إلى البحث عن تحالفات تجارية بديلة تعزل الولايات المتحدة تدريجيًا.

فعلى سبيل المثال، أشار التقرير إلى تفاؤل ترامب بإمكانية بيع سيارات الدفع الرباعي الأمريكية في فيتنام، متجاهلًا أن متوسط دخل الفرد هناك لا يسمح باقتناء هذه الفئة من السيارات، ناهيك عن عدم ملاءمتها لشوارع المدن الفيتنامية الضيقة.

موعد حاسم يقترب.. وضغط على العواصم العالمية

مع اقتراب المهلة التي حددها ترامب لتوقيع الاتفاقيات (1 أغسطس بدلاً من 8 يوليو)، تزداد الضغوط على دول مثل الاتحاد الأوروبي والهند للانصياع أو مواجهة الرسوم العقابية. ويرى مراقبون أن النظام التجاري الدولي يمرّ بأزمة تهدد بتقويض مبدأ الشراكة وفتح الأسواق الذي ساد لعقود.

ويحذر الاقتصاديون من أن سياسة فرض الرسوم الشاملة قد تؤدي إلى دورة من الإجراءات الانتقامية، تهدد الشركات والمستهلكين الأمريكيين أنفسهم، وتضرب ثقة المستثمرين العالميين في استقرار الأسواق الأمريكية.

بين الواقع والتكتيك الانتخابي

يعتقد البعض أن تشدد ترامب في هذا التوقيت ليس فقط نابعًا من قناعته الاقتصادية، بل يدخل أيضًا في إطار تحضير الأرضية السياسية لحملته الانتخابية المقبلة، حيث يسعى لتقديم نفسه كقائد “يحارب من أجل العمال الأمريكيين”، حتى لو كان الثمن تأزيم العلاقات التجارية والدبلوماسية مع عشرات الدول.

وفي الوقت الذي تخوض فيه دول كبرى سباقًا لتجنّب السقوط في فخ الرسوم، تجد الدول الأصغر نفسها أمام اختبار قاسٍ: إما الخضوع للإملاءات الأمريكية أو الانكفاء على الذات، في عالم يبدو أن قواعده تُعاد صياغتها من جديد على وقع توقيعات دونالد ترامب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى