إنجي بدوي تكتب: احتجاجات إيران بين الموساد والإعلام العبري: فوضى مُصنَّعة وسرديات مُوجَّهة

إنجي بدوي تكتب: احتجاجات إيران بين الموساد والإعلام العبري: فوضى مُصنَّعة وسرديات مُوجَّهة
منذ اندلاع موجات الاحتجاج داخل إيران، تعامل الإعلام العبري مع المشهد بوصفه فرصة استخباراتية وسياسية، لا حدثًا اجتماعيًا ذا مطالب شعبية. فبدلًا من مقاربة ما يجري باعتباره حراكًا داخليًا معقدًا تحكمه عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة، اندفع الإعلام العبري إلى تصدير سردية واحدة مفادها أن إيران على وشك الانهيار الشامل، وأن النظام فقد السيطرة، وهي سردية تتكرر كلما شهدت البلاد اضطرابات، دون أن تتحقق على أرض الواقع.
واعتمد هذا الخطاب على سيل من الأرقام والادعاءات غير الموثقة، من بينها الزعم باعتقال أكثر من عشرة آلاف متظاهر، ومقتل ما يصل إلى ألفي شخص، دون تقديم أدلة مستقلة، وإنما بالاستناد إلى تقارير حقوقية وإعلامية معارضة للنظام الإيراني.
كما روّج الإعلام العبري لروايات تتحدث عن انضمام عناصر من الحرس الثوري إلى الاحتجاجات، مقابل اتهام عناصر أخرى بارتكاب «مجازر» بحق المتظاهرين، فضلًا عن ادعاءات تتعلق بإعدامات وشيكة، وإجبار عائلات الضحايا على دفع أموال لاستلام الجثث. وقد قدِّمت جميع هذه الروايات بوصفها «معلومات مؤكدة»، بينما بقيت في إطار الحرب النفسية والتأثير الإعلامي.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الأداء الإعلامي العبري عن البعد الاستخباراتي، إذ يدار الملف الإيراني في تل أبيب باعتباره ساحة اشتباك مفتوحة مع طهران. فالإعلام هنا لا ينقل الحدث، بل يشارك في هندسته، عبر تضخيم الوقائع، وانتقاء الصور، وإعادة تدوير مقاطع قديمة، وبناء سرديات تخدم أهدافًا سياسية وأمنية واضحة. ويبرز في هذا الإطار توظيف ورقة رضا بهلوي، وإحياء صور من زمن الشاه، مع مقارنات سطحية بين ما يروَّج له كـ«حرية» في الماضي وواقع اليوم، خاصة فيما يتعلق بملابس النساء، في محاولة لاختزال مطالب شعب كامل في قضايا نمطية تخدم خطاب التحريض لا الفهم.
.
والأخطر أن الإعلام العبري يتعمد تجاهل أي مؤشرات على تكيف النظام الإيراني مع الضغوط الداخلية، مثل الإعلان عن إلغاء «شرطة الأخلاق» استجابة لمطالب المحتجين، لأن الاعتراف بذلك ينسف سردية «النظام المتصلب المنهار». فالمطلوب ليس تحليل التحولات، بل إبقاء صورة الفوضى مشتعلة.
وعلى الصعيد الدولي، يربط الإعلام العبري بين الاحتجاجات والمفاوضات، معتبرًا أن تحركات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع الإدارة الأميركية ليست سوى محاولة لكسب الوقت لقمع الاحتجاجات، وذلك في ظل تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالهجوم العسكري على إيران بذريعة «حماية المتظاهرين».
ومن ناحية أخرى، تشير اتهامات مباشرة إلى ضلوع الموساد في تأجيج الاضطرابات، إذ أعلنت السلطات الإيرانية القبض على عناصر وُصفوا بأنهم عملاء للموساد في شمال خراسان، مع مصادرة أسلحة وأجهزة اتصال وتجسس، في مؤشر على أن الصراع لم يعد إعلاميًا فقط، بل امتد إلى العمل الميداني السري.
في المحصلة، يكشف تعامل الإعلام العبري مع احتجاجات إيران عن نمط متكرر: تسييس الحدث، وتحويله إلى أداة في الصراع مع طهران، وتغييب صوت الشارع الحقيقي لصالح روايات استخباراتية. وبين الحقيقة والتزييف، تبقَ الاحتجاجات الإيرانية ملفًا تدار سردياته من خارج حدوده، فيما يدفع المواطن الإيراني ثمن حرب إعلامية لا تمثله.






