أخبارثقافة و فن

في ذكرى ميلاده.. كيف قاد السجن علي الشريف إلى شاشة يوسف شاهين؟

 

في ذاكرة السينما المصرية وجوه لا تغيب، حتى وإن لم تتصدر البطولة يومًا. وجوه حفرت حضورها في الوعي الجمعي بملامحها وصوتها وأدوارها التي عبرت من الشاشة إلى ذاكرة الجمهور دون استئذان. ومن بين هذه الوجوه يبرز الفنان الراحل علي الشريف، الذي تحل اليوم 23 يونيو ذكرى ميلاده، بعدما ترك خلفه مسيرة فنية وإنسانية استثنائية بدأت من المعتقل السياسي، وانتهت إلى واحد من أبرز الممثلين أصحاب الحضور الطاغي في السينما المصرية.

ولد علي الشريف في 23 يونيو عام 1934، ورحل عن عالمنا في 11 فبراير 1987 عن عمر ناهز 53 عامًا، لكن سنواته القصيرة نسبيًا كانت كافية ليصنع لنفسه مكانة خاصة بين نجوم جيله، رغم أنه لم يكن من نجوم الصف الأول بالمعنى التقليدي. فالرجل الذي اشتهر بملامحه الحادة وصوته الأجش وهيئته الضخمة، كان على الشاشة رمزًا للقوة والخشونة، بينما عرفه المقربون إنسانًا بسيطًا وكريمًا وهادئ الطبع.

من ميت عقبة إلى المعتقل

نشأ علي الشريف في منطقة ميت عقبة، وكان مشجعًا لناديي الزمالك والترسانة، والتحق في البداية بكلية الهندسة قبل أن يتركها وينتقل إلى كلية التجارة، بعدما شغلته السياسة والعمل العام عن دراسته الأولى. وخلال سنوات الجامعة، تعرض للاعتقال السياسي لمدة 6 سنوات، وهي التجربة التي لم تكسر مساره، بل أعادت تشكيله بالكامل.

فداخل المعتقل، لم يكن علي الشريف ممثلًا بعد، لكن الظروف القاسية دفعت المعتقلين إلى ابتكار وسائل للتخفيف عن أنفسهم، فبنوا مسرحًا داخل السجن، وبدأوا تقديم عروض مسرحية. هناك، اكتشف علي الشريف موهبته الحقيقية للمرة الأولى، وشارك في أعمال مسرحية، بل أدى في إحدى المسرحيات دورًا نسائيًا، وسط مجموعة من المثقفين والكتاب والفنانين الذين كانوا يقضون فترات اعتقالهم معه.

بداية جاءت من خلف الأسوار

تلك السنوات الست كانت نقطة التحول الكبرى في حياة علي الشريف. فبحسب روايات نجله الفنان والمخرج المسرحي حسن الشريف، فإن وجود والده وسط نخبة من المثقفين وكتاب السيناريو داخل المعتقل لعب دورًا كبيرًا في صقل موهبته. وكان من بين هؤلاء السيناريست والفنان حسن فؤاد، الذي شاهد علي الشريف على خشبة مسرح المعتقل، ولاحظ حضوره المختلف، ليصبح ذلك لاحقًا مفتاح عبوره إلى السينما.

بعد خروجه من المعتقل، كتب حسن فؤاد سيناريو فيلم “الأرض”، وكان المخرج الكبير يوسف شاهين يبحث عن ممثل يجسد شخصية “دياب”. وحين التقى بعلي الشريف للمرة الأولى، حسم قراره فورًا، إذ احتضنه بمجرد رؤيته وقال له: “يا دياب”. لم يكن علي الشريف يدرك وقتها أن هذا اللقاء سيكون بوابة المجد الفني، وأن هذا الدور بالتحديد سيغير حياته إلى الأبد.

“دياب”.. الدور الذي صنع الأسطورة

جاء فيلم “الأرض” ليمنح علي الشريف مكانته المستحقة، بعدما قدم من خلاله شخصية “دياب” بأداء لافت وقوي، جعله أحد أبرز وجوه الفيلم وأكثرها رسوخًا في ذاكرة الجمهور. لم يكن مجرد دور عابر، بل كان إعلانًا عن ميلاد ممثل من طراز خاص، قادر على الإمساك بالشخصيات المركبة وتقديمها بصدق وقوة حضور.

نجاحه في “الأرض” فتح له أبوابًا واسعة، لتتوالى بعدها أعماله مع كبار المخرجين والنجوم، ويصبح أحد الوجوه المألوفة في السينما المصرية، خصوصًا في الأدوار التي تحتاج إلى صلابة وعمق وملامح لا تُنسى.

حضور لا يُخطئه الجمهور

ورغم أن علي الشريف لم يكن بطلًا أول في معظم أعماله، فإنه امتلك ما هو أهم من البطولة المطلقة: القدرة على ترك الأثر. فبمجرد ظهوره على الشاشة، كان المشاهد يشعر أنه أمام ممثل حقيقي يعرف جيدًا كيف يمنح الشخصية وزنها ومعناها، حتى لو كانت مساحة الدور محدودة.

ومن أبرز الأعمال التي رسخت اسمه في وجدان الجمهور، مشاركته في فيلم “الكرنك” إلى جانب سعاد حسني، إلى جانب عدد كبير من الأفلام التي تعاون فيها مع نجوم كبار ومخرجين شكلوا ملامح السينما المصرية الحديثة. وكان حضوره دائمًا يحمل نبرة خاصة؛ مزيجًا من الخشونة والصدق والهيبة، جعل منه ممثلًا صعب التكرار.

حسن الشريف.. الابن الذي سار على الدرب

وربما لا يعرف كثيرون أن ابن الفنان الراحل هو حسن الشريف، الممثل والمخرج المسرحي، الذي واصل ارتباط العائلة بالفن من باب المسرح والدراما. وقدم حسن الشريف عددًا من الأدوار المسرحية، من بينها دور “عم أبسلوم” حكيم بلاد العجايب، كما أخرج أعمالًا مسرحية مثل: “رحلة الشجعان” و”فلفل حيران” و”الوحش الأخضر” و”الشاطر حسن”، إلى جانب مشاركته في إخراج عدد من المسلسلات، منها “الحب أقوى” و“رمانة الميزان” و”حبنا الكبير” و”راجل وست ستات”.

فنان خرج من الألم إلى الخلود

قصة علي الشريف ليست فقط حكاية ممثل موهوب، بل حكاية رجل خرج من تجربة الاعتقال إلى الفن، ومن القسوة إلى الخلود. عاش حياة مليئة بالتحولات، وبدأ مشواره من مكان لم يكن أحد يتوقع أن يخرج منه نجم سينمائي. وربما لهذا السبب جاءت أدواره دائمًا مشبعة بقدر كبير من الصدق، كأنها تحمل شيئًا من حياته الشخصية ومن صلابته الداخلية.

وفي ذكرى ميلاده، يبقى علي الشريف واحدًا من هؤلاء الفنانين الذين لم يحتاجوا إلى البطولة المطلقة كي يصبحوا خالدين، لأن موهبتهم وحدها كانت كافية لتضمن لهم مكانًا دائمًا في ذاكرة الفن والجمهور.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);