مقالات

علاء عبدالله يكتب: “دولة المسلمين بين الحق والباطل”.. قراءة في جدل الدين والسياسة والمرجعية القرآنية

يطرح مقال “دولة المسلمين بين الحق والباطل” للمفكر العربي الدكتور علي الشرفاء الحمادي رؤية نقدية واسعة للعلاقة بين الدين ونظام الحكم، وينطلق من فكرة أساسية مفادها أن الإسلام وفق التصور الذي يقدمه الكاتب، رسالة موجهة إلى الإنسان قبل أن تكون إطارًا سياسيًا أو نظامًا للحكم، وأن جوهرها يتمثل في بناء الفرد الصالح والمجتمع القائم على العدل والرحمة والسلام واحترام حقوق الإنسان.

ويضع المقال منذ بدايته ثنائية واضحة بين ما يصفه بـ”نور الوحي” وبين ما يعتبره تراكمات من الموروثات والتفسيرات البشرية، معتبرًا أن القرآن يمثل المرجعية التي ينبغي الرجوع إليها لفهم مبادئ الإسلام وتشريعاته بعيدًا عن توظيف الدين لخدمة المصالح السياسية أو الاقتصادية.

ويركز الكاتب على أن بناء المجتمع يبدأ من الإنسان نفسه، فصلاح الفرد، بحسب رؤيته، ينعكس على الأسرة والمجتمع والدولة، بينما يؤدي فساد السلوك والقيم إلى إنتاج مجتمعات مضطربة مهما كانت الشعارات التي ترفعها الأنظمة الحاكمة.

ويستند في ذلك إلى مجموعة من الآيات القرآنية التي تتناول العدل والرحمة والتعاون وحسن التعامل، ليؤكد أن القيادة في التصور الذي يطرحه ليست امتيازًا للسيطرة على الناس، وإنما مسؤولية وأمانة تستوجب تحقيق العدل وخدمة المواطنين.

ومن هنا ينتقل المقال من الحديث عن الإنسان إلى مفهوم القيادة، مؤكدًا أن الحاكم أو المسؤول مطالب بأن يجعل العدل أساسًا لعلاقته بالمجتمع، وأن نجاح أي نظام سياسي لا يقاس بشعاراته وإنما بما يحققه من أمن واستقرار وحياة كريمة للناس.

ومن أبرز الأفكار التي يناقشها المقال رفض الربط بين الإسلام وبين نموذج سياسي محدد، حيث يرى الكاتب أن الخلافة ليست نظامًا مقدسًا أو تشريعًا إلهيًا ملزمًا، وإنما نموذج تاريخي للحكم تطور مع الزمن إلى أشكال مختلفة من الملكيات إلى الجمهوريات.

ويستخدم الكاتب التجارب التاريخية للدولتين الأموية والعباسية للاستدلال على أن رفع شعار الخلافة الإسلامية لم يمنع الصراعات على السلطة وسفك الدماء والانقسامات السياسية، وبذلك يحاول المقال الفصل بين الإسلام باعتباره رسالة دينية وأخلاقية، وبين الأنظمة السياسية التي اتخذت من الإسلام شعارًا لها، مؤكدًا أن تسمية النظام السياسي لا تكفي لإضفاء صفة دينية عليه.

ويمتد النقد في المقال إلى ما يراه الكاتب استخدامًا للإسلام لتحقيق أهداف دنيوية سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي، فهو يعترض على توظيف المصطلح الديني في تسمية الدول أو الأحزاب أو المؤسسات الاقتصادية، ويرى أن بعض الجهات قد تستفيد من الصفة الدينية في جذب المؤيدين أو العملاء وتحقيق مصالح سياسية أو مالية.

وهنا تتحول القضية من مجرد اختيار أسماء إلى سؤال أوسع حول حدود العلاقة بين المقدس والمصلحة الدنيوية، وهل يمكن لمؤسسة أو نظام بشري أن يتحدث باسم الدين بصورة تجعله ممثلًا حصريًا له.

ويستند المقال بشكل واضح إلى التاريخ الإسلامي في محاولة لإثبات أن الصراع على السلطة لم يكن مرتبطًا بمجرد وجود نظام يسمى “الخلافة” وإنما بالمصالح السياسية والصراعات البشرية، ويشير الكاتب إلى الصراعات التي شهدتها مراحل الحكم الأموي والعباسي، معتبرًا أن وقوع الحروب والانقسامات والاقتتال بين المسلمين تحت راية الخلافة يكشف، من وجهة نظره، عن الفرق بين المبادئ الدينية التي تدعو إلى العدل والسلام وبين الممارسات السياسية التي قد تتناقض معها.

وهذه المقارنة تشكل إحدى الركائز الأساسية في المقال، إذ يسعى الكاتب إلى تقييم الأنظمة من خلال أفعالها وليس من خلال الشعارات التي ترفعها، وينتقل المقال بعد ذلك إلى ظاهرة الجماعات المتطرفة.ويذكر تنظيمات مثل داعش والقاعدة والإخوان وغيرها، منتقدًا استخدام الشعارات الدينية لتبرير العنف والقتل وترويع المدنيين.

ويؤكد الكاتب أن هذه الممارسات، وفق رؤيته، تتناقض مع القيم التي يربطها بالإسلام، وفي مقدمتها الرحمة والعدل والحرية والسلام وصيانة حياة الإنسان، وتبرز هنا فكرة محورية في المقال وهي ضرورة عدم الخلط بين الدين من جهة، وبين أفعال الجماعات أو الأنظمة التي تستخدم اسمه من جهة أخرى، لأن الشعار الديني لا يمنح تلقائيًا شرعية أخلاقية أو دينية لأي ممارسة سياسية.

ومن الأفكار المتكررة في المقال أيضًا التأكيد على الطبيعة الفردية للعلاقة بين الإنسان والله، ويرى الكاتب أن الإسلام لا يحتاج إلى وسطاء أو وكلاء بين الإنسان وربه، مستندًا إلى الآيات التي تؤكد قرب الله من عباده واستجابته لدعائهم، ليخلص إلى أن مسؤولية الإنسان الدينية تقوم على علاقته المباشرة بالله وعلى التزامه بما يراه الكاتب منهجًا قرآنيًا في العبادة والسلوك والمعاملات.

وهذه الفكرة تقود الكاتب إلى انتقاد ما يعتبره احتكارًا لفهم الدين أو استخدام رجال الدين كوسيط بين الإنسان والخالق، يتوسع المقال في جزء آخر مناقشًا ما يطلق عليه “اسم الله الأعظم”، حيث يرفض الكاتب ما يصفه بالروايات والأساطير التي تتحدث عن اسم محدد يتمتع بخصوصية استثنائية في الدعاء.

ويستند في موقفه إلى الآيات التي تؤكد تعدد أسماء الله الحسنى، معتبرًا أن المرجعية الأساسية في هذه المسائل يجب أن تكون للقرآن، كما ينتقد بعض التصورات المتعلقة باستجابة الدعاء خاصة الاعتقاد بأن مجرد ترديد صيغة معينة أو استخدام أسماء بعينها يضمن الاستجابة، بينما يربط الكاتب الاستجابة بما يراه من شروط قرآنية تتعلق بالإيمان والطاعة والاستجابة لأوامر الله.

وتنتهي الفكرة العامة للمقال إلى دعوة صريحة للعودة إلى القرآن باعتباره المرجعية الأساسية لفهم الإسلام، فالكاتب يرى أن كثيرًا من الانقسامات والصراعات نتجت عن تقديم روايات وتفسيرات بشرية على حساب النص القرآني، ولذلك يدعو إلى إعادة النظر في الموروث الديني من خلال القرآن، باعتباره المرجع الذي ينبغي أن تُقاس عليه الأفكار والممارسات.

وفي المحصلة، يقدم المقال رؤية نقدية لا تقتصر على مفهوم “الدولة الإسلامية” بل تمتد إلى علاقة الدين بالسلطة والاقتصاد والجماعات الدينية والموروثات والتفسيرات، ليطرح سؤالًا جوهريًا حول كيفية الفصل بين الإسلام كرسالة أخلاقية وتشريعية، وبين استخدام اسمه لتحقيق أهداف بشرية وسياسية.

وتبقى الرسالة الأبرز في المقال هي أن قيمة أي مجتمع أو نظام لا ينبغي أن تقاس بالاسم أو الشعار الذي يرفعه، وإنما بمدى التزامه بالعدل وصيانة الإنسان وتحقيق الأمن والسلام واحترام الحقوق، وهي المبادئ التي يجعلها الكاتب محورًا أساسيًا في قراءته للرسالة القرآنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);