علاء عبدالله يكتب: حين يتحول المال إلى مسؤولية.. الزكاة بين حق المحتاج وعدالة المجتمع

يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله حول “حق المحتاجين في أموال الأغنياء” قضية تتجاوز الجانب المالي للزكاة، لتصل إلى جوهر العدالة الاجتماعية في التصور الإسلامي، فالفكرة الأساسية التي ينطلق منها المقال هي أن المال لا ينبغي أن يكون وسيلة لتكريس الفوارق بين الناس، وإنما يجب أن يتحول إلى أداة للتكافل، وحماية المحتاج، وصيانة كرامة الإنسان.
ويعيد الشرفاء الحمادي قراءة مفهوم الزكاة باعتبارها فريضة ذات وظيفة اجتماعية واضحة، ترتبط بمبدأ التكافل بين أفراد المجتمع. فالإنفاق، وفق رؤيته، ليس مجرد فعل اختياري يقوم به القادر بدافع التعاطف، وإنما التزام ديني تجاه فئات حدد الخطاب القرآني حقها في المال.
وهنا تكمن إحدى أهم الأفكار التي يثيرها المقال، وهي الانتقال من النظر إلى الفقير باعتباره شخصًا ينتظر الصدقة، إلى اعتباره صاحب حق معلوم في أموال الأغنياء، وهذا التحول في النظرة يحمل دلالة اجتماعية عميقة؛ لأنه يحفظ للمحتاج كرامته، ويجعل العلاقة بين الغني والفقير قائمة على الحق والمسؤولية، لا على المنّة أو الإحسان العابر.
ويؤكد المقال أن تحقيق التكافل لا يقتصر على مساعدة فرد هنا أو أسرة هناك، وإنما يستهدف بناء مجتمع لا يجد فيه الإنسان نفسه مضطرًا إلى السؤال من أجل توفير أساسيات الحياة، فالغاية النهائية من الإنفاق، بحسب هذا التصور، هي تقليص دائرة الحاجة، ومواجهة الفقر، ومنع تحول التفاوت الاقتصادي إلى حالة دائمة من الحقد والحسد والانقسام الاجتماعي.
كما يقدم المقال رؤية مختلفة لمسؤولية صاحب المال؛ فالمال، في التصور الذي يطرحه الكاتب، ليس ملكية منفصلة تمامًا عن المسؤولية، وإنما رزق وأمانة واختبار، ولذلك فإن احتفاظ الإنسان بجزء من أرباحه لا يعفيه من أداء ما يراه المقال حقًا مقررًا للمحتاجين.
ومن أكثر النقاط إثارة للنقاش في المقال تحديد نسبة 20% من الأرباح باعتبارها النسبة التي يرى الكاتب أنها تمثل الحق المعلوم في المال، وهذه النقطة تحديدًا تمثل اجتهادًا فكريًا وفق قراءة الشرفاء الحمادي للنصوص القرآنية، وتختلف عن النسبة الشائعة في الفقه الإسلامي للزكاة على الأموال النقدية وعروض التجارة، والتي تُعرف عادةً بربع العشر، أي 2.5% بشروطها، ومن المهم هنا التمييز بين طرح الكاتب واجتهاده وبين ما استقر عليه جمهور الفقهاء، حتى لا تختلط القراءة الفكرية بحقيقة الإجماع الفقهي.
لكن القيمة الأوسع للمقال لا تتوقف عند النسبة، وإنما تكمن في السؤال الذي يطرحه بشأن وظيفة المال داخل المجتمع، فإذا كان المال قادرًا على صناعة حياة أفضل لفئات واسعة، فإن تركيز الثروة في يد فئة محدودة دون وجود آليات فاعلة للتكافل يمكن أن يؤدي إلى اتساع الفجوة الاجتماعية.
ويذهب المقال كذلك إلى أن الإنفاق ينبغي أن يرتبط بتحقق الربح، وليس بالضرورة بانتظار موعد زمني ثابت، وفق التصور الذي يقدمه الكاتب، ومن وجهة نظره، فإن وصول الأرباح إلى صاحبها يعني تحقق المسؤولية تجاه مستحقيها، بما يضمن استمرار تدفق الموارد إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
هذه الفكرة تفتح الباب أمام مفهوم أكثر شمولًا للعدالة الاجتماعية، فالهدف ليس فقط إخراج المال، وإنما ضمان وصوله إلى مستحقيه في الوقت الذي يحتاجون فيه إليه، وإذا تحولت هذه الرؤية إلى منظومة مؤسسية فعالة، فإنها يمكن أن تساهم في الحد من صور الفقر المدقع، وتوفير الدعم للفئات التي تواجه صعوبات في العلاج أو الغذاء أو احتياجات الحياة الأساسية.
واللافت في المقال أيضًا أن الكاتب يربط بين أداء الحق المالي وبين سلامة المجتمع نفسيًا وأخلاقيًا، فالفقر لا ينتج فقط نقصًا في الموارد، وإنما قد يخلق شعورًا بالحرمان وعدم الإنصاف، بينما يؤدي شعور الأغنياء بمسؤوليتهم تجاه المجتمع إلى تقليل الفوارق وإعادة بناء الثقة بين طبقاته.
ومن هنا يمكن فهم حديث المقال عن اختفاء الحاجة والحقد والحسد باعتباره نتيجة محتملة لتحقيق قدر أكبر من العدالة الاقتصادية. فالمجتمع الذي يشعر فيه المحتاج بأن له مكانًا محفوظًا وحقًا مصانًا، يختلف بالضرورة عن مجتمع يشعر فيه الفقير بأنه متروك لمساعدات فردية متقطعة.
وفي المقابل، فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من الدعوة الأخلاقية إلى الإنفاق؛ إذ يحتاج إلى مؤسسات شفافة قادرة على جمع الأموال وتوجيهها إلى مستحقيها، وآليات رقابة تمنع إساءة استخدامها، وبيانات دقيقة تحدد الفئات الأولى بالرعاية، فالعدالة المالية لا تتحقق فقط بحجم الأموال التي يتم إنفاقها، وإنما بكفاءة وصولها إلى من يحتاج إليها.
كما أن المقال يطرح قضية شديدة الأهمية تتعلق بالفارق بين الدين بوصفه منظومة قيم وتشريعات، وبين الممارسات البشرية التي قد تصيبها الأخطاء، فالكاتب ينتقد ما يراه تشويهًا لمقاصد الشريعة عندما يتم تقديم اجتهادات بشرية باعتبارها حقيقة دينية نهائية، ويؤكد ضرورة العودة إلى النص القرآني لفهم مفهوم التكافل وحقوق المحتاجين.
وبعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف مع بعض الاستنتاجات الفقهية الواردة في المقال، فإن القضية التي يضعها أمام القارئ تستحق التأمل: كيف يمكن تحويل القيم الدينية المتعلقة بالتكافل إلى واقع اقتصادي يضمن كرامة الإنسان؟
فالمجتمع العادل ليس ذلك الذي يخلو تمامًا من الأغنياء والفقراء، وإنما الذي يمتلك آليات تمنع الفقر من التحول إلى مأساة، وتحول دون تراكم الثروة بصورة تؤدي إلى إقصاء قطاعات واسعة من المجتمع.
وفي النهاية، يضعنا مقال الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي أمام مفهوم جوهري: المال مسؤولية قبل أن يكون امتلاكًا، والثروة اختبار قبل أن تكون امتيازًا، وبينما قد يختلف المتخصصون حول تفسير بعض الآيات أو تحديد نسب الزكاة وأحكامها، تبقى الرسالة الاجتماعية للمقال واضحة في الدعوة إلى مجتمع أكثر تكافلًا، وإلى حماية المحتاج من ذل السؤال، وإلى جعل الثروة وسيلة لبناء الإنسان لا سببًا لتعميق الفوارق.
ولعل السؤال الأهم الذي يتركه المقال أمام القارئ ليس فقط: كم يجب أن يدفع الغني؟ وإنما: كيف يمكن أن نبني نظامًا اجتماعيًا واقتصاديًا يشعر فيه كل إنسان بأن كرامته وحقه في الحياة الكريمة مصانان؟، فهنا تبدأ العدالة الحقيقية؛ عندما لا يكون المحتاج مضطرًا إلى مد يده، ولا يكون الغني معزولًا عن مسؤولياته تجاه مجتمعه، ويصبح التكافل ممارسة مؤسسية مستمرة، لا مجرد استجابة مؤقتة لمشهد من مشاهد الفقر.






