مقالات

علاء عبدالله يكتب: من قونيا إلى العالم.. “رسالة السلام” تبني جسورًا تتجاوز الحدود والثقافات

في عالم تتزايد فيه الصراعات، وتتسع فيه مساحات الاستقطاب وخطابات الكراهية، لم يعد الحديث عن السلام مجرد شعار أخلاقي، وإنما أصبح ضرورة تتطلب تحركًا مؤسسيًا وفكريًا قادرًا على تحويل قيم التسامح والحوار إلى ممارسات حقيقية، ومن هذا المنطلق تكتسب تحركات وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية في تركيا أهمية خاصة، باعتبارها نموذجًا لمحاولة توظيف الدبلوماسية الثقافية والفكرية في بناء جسور جديدة بين المجتمعات.

اللافت في الجولة التركية أنها لم تتوقف عند لقاء بروتوكولي أو فعالية واحدة، وإنما جاءت في صورة تحرك متدرج بدأ من إسطنبول، مرورًا بأنقرة وصولًا إلى قونيا، بما يعكس رغبة واضحة في توسيع دائرة الحوار والتواصل مع مؤسسات تمتلك تأثيرًا ثقافيًا وتعليميًا ومجتمعيًا.

وتبرز محطة قونيا بصورة خاصة؛ فالمدينة تحمل إرثًا ثقافيًا وفكريًا عميقًا، ومن ثم فإن توجه وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية إلى مؤسسة “تيماف” أو مؤسسة أئمة وخطباء تركيا، يحمل دلالة تتجاوز حدود الزيارة التقليدية. فالتواصل مع المؤسسات المؤثرة في تشكيل الوعي يمكن أن يكون مدخلًا مهمًا لبناء تفاهمات طويلة المدى، خصوصًا عندما يكون الهدف هو ترسيخ قيم السلام والتسامح والتعايش.

وهنا تظهر أهمية الفكرة التي تقف خلف هذا التحرك، وهي المشروع الفكري الذي طوره المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، والذي ينطلق من ضرورة تأسيس ثقافة للسلام تجعل من الحوار والتفاهم واحترام الإنسان قاعدة للعلاقات بين المجتمعات.

ويقوم هذا التصور، كما يعرضه النص، على مجموعة من القيم الأساسية، في مقدمتها السلام والرحمة والعدل واحترام الإنسانية، والأهم أن هذه القيم لا يتم تقديمها باعتبارها عبارات نظرية، وإنما باعتبارها أدوات يمكن توظيفها في الحوار والعمل المؤسسي، وتحويلها إلى أرضية مشتركة تجمع المختلفين بدلًا من أن تتحول الاختلافات الثقافية والفكرية إلى أسباب للصدام.

ومن هنا يمكن فهم البعد الأوسع للجولة التركية، فمواجهة التطرف وخطاب الكراهية لا يمكن أن تعتمد فقط على الإجراءات الأمنية أو السياسية، لأن الأفكار المتطرفة تبدأ غالبًا من بيئة فكرية وثقافية تحتاج إلى معالجة عميقة، ولذلك يصبح للمؤسسات الثقافية والتعليمية والفكرية دور بالغ الأهمية في إعادة تشكيل الوعي، وترسيخ الاعتدال، وتعزيز قدرة الأجيال الجديدة على قبول الاختلاف والتعايش معه.

إن واحدة من أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من هذه التحركات هي أن مواجهة الكراهية تحتاج إلى بناء بديل فكري وإنساني، فبدلًا من الاكتفاء برفض التطرف، ينبغي تقديم خطاب قادر على ملء الفراغ الذي تستغله الأفكار المتشددة، خطاب يقوم على الحوار والرحمة والعدل واحترام كرامة الإنسان.

كما أن طبيعة الوفد نفسه تكشف عن إدراك لأهمية التكامل بين التخصصات، فوجود قيادات ومستشارين إلى جانب عناصر متخصصة في الإعلام والتنسيق والعمل الميداني يشير إلى أن مشروع السلام لا يمكن أن يعتمد على جهد فردي، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع الفكر والإعلام والتنظيم والتواصل المؤسسي.

ويحمل وجود تمثيل دولي ضمن الوفد من خلال مشاركة مدير مكتب المؤسسة في كندا، دلالة أخرى على أن المشروع لا ينظر إلى السلام باعتباره قضية محلية أو إقليمية، وإنما يتعامل معه باعتباره رسالة إنسانية عابرة للحدود.

وهنا تتضح القيمة الحقيقية للدبلوماسية الثقافية؛ فهي لا تعمل بالضرورة عبر الاتفاقيات الرسمية وحدها، وإنما تفتح مساحات للتعارف والتواصل بين الشعوب والمؤسسات، وتسمح ببناء الثقة من خلال الحوار المباشر، وفي عالم أصبحت فيه وسائل التواصل قادرة على نقل خطاب الكراهية في ثواني، يصبح من الضروري أيضًا بناء شبكات إنسانية قادرة على نشر خطاب السلام بالسرعة والتأثير نفسيهما.

ولعل أهم ما يميز هذا التحرك هو الانتقال من مفهوم “المؤسسة المنعزلة” إلى مفهوم الشراكة والتكامل، فمواجهة الأزمات الفكرية والثقافية الكبرى تحتاج إلى تعاون بين المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية ومراكز الفكر والمنظمات المجتمعية، لأن كل طرف يمتلك أدوات مختلفة يمكن أن تسهم في صناعة وعي أكثر توازنًا.

ومن هذه الزاوية، فإن اللقاءات التي شهدتها الجولة التركية يمكن النظر إليها باعتبارها محاولة لتأسيس شبكة من العلاقات والشراكات المستدامة، وليس مجرد نشاط عابر. فالنجاح الحقيقي لأي مبادرة من هذا النوع لا يقاس بعدد اللقاءات التي تعقد، وإنما بقدرتها على إنتاج تعاون مستمر، وتحويل المبادئ التي جرى الحديث عنها إلى مشروعات وبرامج ومبادرات تصل إلى الناس.

وفي تقديري، فإن التحدي الأكبر أمام مثل هذه المبادرات هو الانتقال من لغة القيم إلى واقع الممارسة، فالحديث عن السلام سهل، لكن بناء ثقافة سلام يحتاج إلى تعليم وإعلام ومؤسسات قادرة على الاستمرار، كما يحتاج إلى خطاب يحترم عقل الإنسان ويخاطب احتياجاته ويقدم له بدائل حقيقية عن العنف والتعصب والكراهية.

ومن هنا تبدو رحلة وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية في تركيا جزءًا من مسار أكبر، يقوم على البحث عن مساحات مشتركة بين الثقافات، والاستفادة من المؤسسات صاحبة التأثير في المجتمعات، وإعادة الاعتبار لفكرة الحوار باعتبارها وسيلة أساسية لتقليل مساحات الصدام.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي تطرحه هذه التحركات يتجاوز حدود تركيا أو المنطقة العربية: هل تستطيع الشراكات الفكرية والثقافية العابرة للحدود أن تتحول إلى قوة حقيقية في صناعة مستقبل أكثر تسامحًا وتعايشًا؟

الإجابة لن تأتي من الشعارات، وإنما من قدرة هذه المؤسسات على الاستمرار، وبناء شراكات حقيقية، وتحويل قيم السلام والعدل والرحمة واحترام الإنسان إلى واقع يلمسه الناس في التعليم والإعلام والثقافة والحياة اليومية.

فالسلام لا يبنى فقط عندما تتوقف الحروب، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ عندما يتعلم الإنسان أن الاختلاف ليس مبررًا للكراهية، وأن الحوار يمكن أن يكون أقوى من الصدام، وأن احترام الإنسان يجب أن يظل القاعدة التي تنطلق منها كل علاقة بين البشر.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية الرسالة التي تحملها تحركات مؤسسة رسالة السلام العالمية: بناء الجسور قبل أن ترتفع الجدران، وفتح أبواب الحوار قبل أن تتسع مساحات الخلاف، وتحويل السلام من فكرة نتحدث عنها إلى ثقافة نعيشها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);