علاء عبدالله يكتب: “الإسلام مشروع الرحمن”.. قراءة في رؤية تعيد الإنسان إلى القرآن وتحرر العقل من الوصاية

يقدم كتاب “الإسلام مشروع الرحمن في القرآن لسعادة الإنسان” للمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي طرحًا فكريًا يقوم على إعادة قراءة مفهوم الإسلام من خلال القرآن الكريم، مع التركيز على الإنسان باعتباره محورًا أساسيًا في الرسالة الإلهية، فالكتاب لا يتعامل مع الدين باعتباره مجموعة من الأحكام المجردة، وإنما يحاول تقديم رؤية متكاملة تربط بين التوحيد والحرية والمسؤولية والعدل والرحمة، وصولًا إلى الغاية التي يطرحها المؤلف باعتبارها مقصدًا رئيسيًا للرسالة، وهي سعادة الإنسان.
وتنطلق هذه الرؤية من مفهوم واسع للتوحيد، لا يقتصر على الإقرار بوحدانية الله، وإنما يمتد إلى التأكيد على أن الله وحده صاحب العلم بالغيب ومصدر التشريع. ومن هذا المنطلق، يطرح الكتاب قضية السلطة الدينية واحتكار الحديث باسم الله، داعيًا إلى تحرير علاقة الإنسان بربه من أي وصاية بشرية يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى سلطة موازية للنص القرآني.
وهنا تظهر فكرة تحرير العقل باعتبارها إحدى الركائز الأساسية في المشروع الفكري الذي يقدمه الكتاب، فالإنسان، وفق هذه الرؤية، لا ينبغي أن يكون مجرد متلقي لما ورثه من أفكار وتفسيرات، وإنما عليه أن يستخدم عقله في التدبر والتفكر والبحث عن الحقيقة، فالإيمان الذي يقوم على الوعي والاختيار يختلف عن الإيمان الذي يتحول إلى مجرد موروث اجتماعي ينتقل من جيل إلى آخر دون مراجعة أو تفكير.
ويتناول الكتاب كذلك مكانة الرسول ودوره في ضوء هذه الرؤية، مؤكدًا أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو المبلغ عن الله، وأن الرسالة التي جاء بها تتمثل في القرآن، ومن هنا يطرح المؤلف ضرورة التمييز بين احترام الرسول واتباع الرسالة التي بلغها، وبين تحويل روايات أو أقوال منسوبة إليه عبر التاريخ إلى سلطة تنافس القرآن أو تتقدم عليه.
ومن القضايا التي تحظى بمساحة واضحة في الطرح مفهوم القتال، حيث يسعى الكتاب إلى إعادة وضعه في سياقه المرتبط بالدفاع عن النفس ورد العدوان، بعيدًا عن استخدام الدين باعتباره مبررًا لفرض العقيدة أو التوسع والسيطرة، ووفق هذه الرؤية، لا يمكن أن يكون الإيمان الحقيقي قائمًا على الإكراه، لأن الاعتقاد في جوهره اختيار يقوم على الاقتناع والوعي والحرية، وهو ما يجعل السلام هو الأصل الذي ينبغي أن يحكم العلاقات الإنسانية.
ويصل الكتاب بعد ذلك إلى قضية مهمة تتعلق بالتمييز بين التشريع والمنهج، فالتشريع يرتبط بالأحكام والتكليفات والحدود والعبادات، بينما يمثل المنهج منظومة أوسع من القيم التي تشمل الرحمة والعدل والإحسان والسلام، وتكمن أهمية هذا التفريق في أن اختزال الدين في الأحكام وحدها قد يؤدي إلى إهمال الغاية الأخلاقية التي يفترض أن تنعكس على سلوك الإنسان وعلاقته بالآخرين.
ومن هنا تأتي الفكرة التي يطرحها الكتاب حول العلاقة بين العبادة والقيم؛ فلا قيمة لتدين ينفصل عن العدل، ولا معنى لممارسة دينية لا يظهر أثرها في الرحمة والإحسان وحفظ حقوق الإنسان. فالدين، وفق هذه الرؤية، لا ينبغي أن يتحول إلى مجموعة من الممارسات المنفصلة عن مقاصدها الأخلاقية، وإنما يجب أن يقود الإنسان إلى سلوك يحقق الخير ويصون الكرامة الإنسانية.
أما المسؤولية الفردية أمام الله، فتشكل محورًا آخر في الكتاب، إذ يؤكد الطرح أن الحساب يوم القيامة مسؤولية شخصية لا يمكن للإنسان أن ينقلها إلى شيخ أو فقيه أو جماعة أو مذهب، فالاختيار في النهاية اختيار الفرد، والعمل عمله، وبالتالي يتحمل الإنسان مسؤولية ما يختاره وما يفعله.
وتمنح هذه الفكرة أهمية خاصة لمسألة التفكير النقدي وتحرير العقل، لأن الإنسان لا يستطيع تحمل مسؤولية اختياراته إذا كان يتخلى عن عقله بصورة كاملة لصالح الآخرين،ومن ثم تصبح الدعوة إلى التفكر والتدبر ليست مجرد قضية ثقافية، وإنما جزءًا من بناء الإنسان القادر على اتخاذ قراراته بوعي وتحمل نتائجها.
ويجمع الكتاب هذه الأفكار في معادلة فكرية تبدأ بالتوحيد وتنتهي بالسعادة؛ فتوحيد الله يحرر العقل من الخضوع لأي سلطة بشرية تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، والعقل الحر يحرر الإنسان، والإنسان الحر يصبح أكثر قدرة على تحمل مسؤولية اختياراته، ثم تأتي القيم الإلهية مثل الرحمة والعدل والإحسان والسلام لتوجه هذه الحرية نحو ما يحقق الخير.
وبهذه الطريقة، لا يقدم الكتاب الحرية باعتبارها انفلاتًا من القيم، وإنما باعتبارها مسؤولية مرتبطة بالاختيار الواعي والالتزام بمنظومة أخلاقية تحفظ حقوق الإنسان وتصون المجتمع، فالحرية التي لا يحكمها العدل قد تتحول إلى فوضى، بينما الحرية المرتبطة بالمسؤولية والقيم يمكن أن تصبح طريقًا إلى الاستقرار والسلام.
وفي جوهره، يفتح الكتاب نقاشًا أوسع حول علاقة الإنسان بالدين، ويسأل بصورة غير مباشرة: هل يظل الإيمان مجرد موروث ينتقل بين الأجيال، أم يتحول إلى اختيار واعي يقوم على البحث والتدبر والاقتناع؟ وهو سؤال يتجاوز حدود الكتاب ليصبح قضية فكرية تستحق النقاش في ظل عالم تتعدد فيه مصادر المعرفة وتتداخل فيه التفسيرات الدينية والثقافية.
وفي النهاية، تبدو الرسالة الأساسية لهذا الطرح قائمة على استرداد الإنسان لعقله، وإعادة الدين إلى قيمه الكبرى، والنظر إلى القرآن باعتباره المرجع الذي يمكن من خلاله بناء علاقة تقوم على التوحيد والحرية والمسؤولية والعدل والرحمة، وهي رؤية تضع سعادة الإنسان وأمنه وكرامته في مقدمة النتائج التي ينبغي أن تقود إليها الرسالة، وتطرح أن الطريق إلى مجتمع أكثر استقرارًا يبدأ بإنسان واعي حر في اختياره، مسؤول عن قراره، ومتمسك بالقيم التي تحفظ للآخر حقه وكرامته.






