علاء عبدالله يكتب: “منهج الله في إصلاح النفس وبناء المجتمع”.. حين يبدأ إصلاح المجتمع من داخل الإنسان

لا يتوقف الحديث عن إصلاح المجتمع عند معالجة المشكلات الظاهرة أو وضع القوانين المنظمة للعلاقات بين أفراده، وإنما يبدأ الإصلاح الحقيقي من الإنسان نفسه؛ من أفكاره وقيمه وسلوكه وطريقة تعامله مع الآخرين، هذا هو المدخل الذي يقدمه المفكر العربي الدكتور علي الشرفاء الحمادي في طرحه حول “منهج الله في إصلاح النفس وبناء المجتمع”، حيث ينطلق من رؤية تربط بين صلاح الفرد واستقرار الأسرة، وبين استقرار الأسرة وصلاح المجتمع بأكمله.
وتبدو الفكرة المركزية في هذا الطرح واضحة: المجتمع لا يمكن أن يكون صالحًا إذا لم يبدأ أفراده بإصلاح أنفسهم. فالقوانين، على أهميتها، لا تستطيع وحدها أن تمنع الخطأ أو الكراهية أو الاعتداء، ما لم يصاحبها وعي داخلي يجعل الإنسان أكثر قدرة على مراقبة نفسه وضبط سلوكه.
ومن أبرز الأفكار التي يطرحها النص أن ذكر الله يمثل وسيلة لحماية الإنسان من الوقوع في براثن الشيطان، لأنه يساعده على استحضار عواقب أفعاله قبل الإقدام عليها، فالإنسان الذي يستحضر مسؤولية أفعاله لا ينظر إلى الخطأ باعتباره لحظة عابرة، وإنما يدرك أن لكل تصرف نتيجة، وأن تجاوز القانون أو الاعتداء على الآخرين قد يقود إلى عقوبات دنيوية، فضلًا عن المسؤولية أمام الله.
وهنا يبرز البعد التربوي في الفكرة؛ فالإصلاح لا يقوم فقط على الخوف من العقوبة، وإنما على بناء ضمير داخلي يدفع الإنسان إلى تجنب الخطأ قبل وقوعه، وهذا النوع من الإصلاح أكثر تأثيرًا من مجرد فرض العقوبات؛ لأن القانون يتدخل بعد وقوع المخالفة، بينما الوعي الأخلاقي يستطيع أن يمنع السلوك الخاطئ من الأساس.
ويقدم النص تصورًا متكاملًا للعلاقة بين سلوك الفرد وأمن المجتمع. فإذا تمكن الإنسان من السيطرة على انفعالاته ورغباته، والابتعاد عن العنف والاعتداء، انعكس ذلك بصورة مباشرة على المحيط الذي يعيش فيه.د، فالإنسان لا يعيش منفصلًا عن الآخرين، وكل سلوك فردي يمكن أن تكون له آثار اجتماعية أوسع. وقد تبدأ المشكلة بخلاف بسيط، لكنها قد تتطور عندما يغيب ضبط النفس والحوار، لتتحول إلى خصومة أو اعتداء أو حتى جريمة، ومن هنا، فإن إصلاح النفس ليس شأنًا شخصيًا محدودًا، بل هو جزء من عملية بناء مجتمع أكثر أمنًا واستقرارًا.
وينتقل الطرح بعد ذلك إلى الأسرة باعتبارها النواة الأولى التي يتشكل داخلها سلوك الإنسان وشخصيته، ويؤكد النص أن العلاقة بين الزوجين تقوم على المودة والرحمة، وأن الزواج ليس مجرد علاقة اجتماعية، وإنما مسؤولية مشتركة تتطلب التعاون والتكامل وحسن المعاملة.
وتبرز هنا أهمية التعامل مع الأسرة باعتبارها مؤسسة تربوية قبل أن تكون مجرد إطار للمعيشة المشتركة؛ ففي داخلها يتعلم الأبناء معنى الاحترام، والأمانة، والرحمة، وتحمل المسؤولية، وطريقة التعامل مع الآخرين، وإذا نجحت الأسرة في غرس هذه القيم، فإنها تساهم بصورة مباشرة في إعداد أفراد قادرين على المشاركة الإيجابية في المجتمع.
ومن النقاط المهمة في النص التأكيد على أن العلاقة بين الرجل والمرأة تقوم على المساواة في القيمة الإنسانية، مع توزيع المسؤوليات بما يحفظ استقرار الأسرة، ويستند الطرح إلى الآية الكريمة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، بما يؤكد أن معيار التكريم والثواب يرتبط بالعمل الصالح والإيمان، وليس بمجرد كون الإنسان رجلًا أو امرأة، وهذه الرؤية تضع العلاقة الزوجية بعيدًا عن مفهوم الهيمنة أو الانتقاص من أحد الطرفين، وتدفع باتجاه الشراكة القائمة على الاحترام وتحمل المسؤولية.
ويقدم النص كذلك الزواج باعتباره علاقة تكاملية، لكل طرف فيها مسؤولياته تجاه الآخر وتجاه الأبناء، فمسؤولية الزوج لا تتوقف عند توفير الاحتياجات المادية، وإنما تشمل الرعاية والأمان والعناية بالأسرة، بينما تتحمل الزوجة مسؤولياتها داخل الأسرة، بما في ذلك إدارة شؤون المنزل وتربية الأبناء والعناية بالزوج، ولا ينبغي فهم توزيع المسؤوليات باعتباره تفاضلًا في القيمة الإنسانية، وإنما باعتباره تنظيمًا للأدوار بما يساعد الأسرة على أداء وظيفتها واستمرارها بصورة مستقرة.
وهنا تصل الفكرة إلى نتيجتها الأوسع؛ فالعلاقة الزوجية المستقرة لا يستفيد منها الزوجان وحدهما، وإنما تمتد آثارها إلى الأبناء ثم إلى المجتمع، فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الاحترام والمودة والرحمة يتلقى منذ سنواته الأولى نموذجًا عمليًا لكيفية التعامل مع الآخرين، ومع انتقال هذه القيم من الأسرة إلى المدرسة ثم إلى المجتمع، تتشكل تدريجيًا ثقافة اجتماعية أكثر قدرة على الحوار والتسامح والتعاون.
أما عندما تتحول الأسرة إلى مساحة للصراع والعنف وانعدام الثقة، فإن آثار ذلك قد تمتد إلى الأبناء وتؤثر في شخصياتهم وعلاقاتهم المستقبلية، واللافت في طرح “منهج الله في إصلاح النفس وبناء المجتمع” أنه لا يتعامل مع الإصلاح باعتباره خطوة منفردة، وإنما يقدمه كمنظومة مترابطة تبدأ من الإنسان، ثم تنتقل إلى الأسرة، ومنها إلى المجتمع.
فإصلاح النفس ينتج إنسانًا أكثر قدرة على ضبط سلوكه، وإصلاح العلاقة الزوجية ينتج أسرة أكثر استقرارًا، والأسرة المستقرة تساهم في تربية أبناء أكثر توازنًا، وهؤلاء الأبناء يصبحون في المستقبل جزءًا من مجتمع أكثر قدرة على الحفاظ على أمنه واستقراره، وبذلك، فإن جوهر الرسالة التي يمكن قراءتها في هذا الطرح هو أن بناء المجتمع لا يبدأ من الخارج، وإنما من داخل الإنسان؛ من قدرته على ضبط نفسه، ومراجعة سلوكه، واحترام الآخرين، والالتزام بالقيم التي تجعل الحرية مسؤولية، والاختلاف فرصة للتفاهم، والأسرة مساحة للمودة والرحمة.
وفي النهاية، فإن قوة أي مجتمع لا تقاس فقط بما يمتلكه من قوانين ومؤسسات، وإنما أيضًا بمدى قدرة أفراده على تحويل القيم إلى سلوك يومي، وعندما يصبح إصلاح النفس ثقافة، وتصبح الأسرة مدرسة للأخلاق والمسؤولية، فإن الطريق إلى مجتمع أكثر أمنًا وتماسكًا يصبح أقرب إلى الواقع، لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات.





