مقالات

علاء عبدالله يكتب: عندما يصبح تصحيح المفاهيم طريقًا إلى السلام.. قراءة في فكر علي الشرفاء الحمادي

لا يقدم مقال أحمد محمد الأمين عن المفكر العربي الدكتور علي الشرفاء الحمادي مجرد عرض لأفكار تدعو إلى التسامح والتعايش، وإنما يفتح بابًا أوسع للتأمل في واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في عالم اليوم: كيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع الاختلاف دون أن يحوله إلى صراع؟

ومن خلال قراءة المقال، يتضح أن نقطة الانطلاق الأساسية في رؤية الشرفاء الحمادي تتمثل في تصحيح المفاهيم؛ فالكثير من الخلافات، وفق الطرح الذي ينقله المقال، لا تنشأ بالضرورة بسبب تضارب المصالح، وإنما قد تبدأ من صورة ذهنية خاطئة أو حكم مسبق يتكون تجاه الآخر، ثم يتحول مع الوقت إلى موقف ثابت يصعب تغييره.

وهنا تبدو أهمية الفكرة التي يطرحها المقال؛ إذ إن تغيير الواقع لا يبدأ دائمًا من الاتفاقيات السياسية أو القرارات الرسمية، وإنما قد يبدأ من تغيير الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى من يختلف معه في الدين أو الثقافة أو الهوية أو الرأي.

وأحد أبرز جوانب المقال أنه يرفض التعامل مع الاختلاف باعتباره مشكلة في حد ذاته، فالاختلاف بين البشر حقيقة طبيعية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاختلاف إلى تصنيف للآخر أو إقصائه أو النظر إليه باعتباره خصمًا لمجرد أنه مختلف، وفي هذا السياق، يستند الطرح إلى مفهوم التعارف باعتباره قيمة تتجاوز مجرد معرفة الآخر، لتصبح مدخلًا لفهمه والتواصل معه واكتشاف المساحات المشتركة بعيدًا عن الصور النمطية.

وهذه النقطة تحديدًا تمنح فكرة “تصحيح المفاهيم” بعدها العملي؛ لأن الإنسان عندما يتعرف إلى الآخر بعيدًا عن الأحكام المسبقة، تصبح لديه فرصة أكبر لفهمه كما هو، وليس كما صورته له الخطابات المتوترة أو المعلومات الناقصة.

ومن الأفكار اللافتة التي يعرضها المقال أن السلام لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره نتيجة لاتفاق سياسي أو توقف مواجهة، وإنما باعتباره ثقافة تبدأ من داخل الإنسان، فالسلام المستدام يحتاج إلى إنسان يؤمن بالتسامح، ويقبل الحوار، ويرفض الكراهية والعنف، لأن الاتفاقات السياسية مهما كانت مهمة قد تظل عاجزة عن منع عودة الصراع إذا بقيت مشاعر العداء راسخة داخل المجتمعات، ومن هنا تبدو العلاقة بين الفكر والسلوك واضحة؛ فالفكرة التي يتبناها الإنسان بشأن الآخر تؤثر في طريقة تعامله معه، وطريقة التعامل هذه قد تتحول بدورها إلى ثقافة عامة داخل المجتمع.

ويعرض المقال كذلك اعتماد علي الشرفاء الحمادي على القرآن الكريم باعتباره مصدرًا أساسيًا للقيم التي يدعو إليها، وفي مقدمتها التعارف والتسامح والتعايش والسلام. وتكمن أهمية هذا الطرح في محاولة الانتقال من قراءة النصوص باعتبارها مجرد مفاهيم نظرية إلى البحث في أثرها على حياة الإنسان وعلاقته بالمجتمع والآخرين.

فالحديث عن التعارف، في سياق المقال، لا ينفصل عن احترام التنوع الإنساني، بينما يرتبط التعايش بالقدرة على إدارة الاختلاف دون تحويله إلى عداء، ويصبح التسامح وسيلة لتجاوز الرغبة في الانتقام والإقصاء، ومن أكثر النقاط التي تستحق التوقف عندها في المقال التأكيد على أن بناء السلام مسؤولية لا تتحملها السياسة وحدها.

فالإعلام والتعليم والثقافة والخطاب الديني جميعها تؤثر في الصورة التي تتشكل لدى الأجيال عن الآخرين، وإذا كانت هذه المنظومات تقدم المختلف باعتباره خطرًا أو عدوًا، فإنها قد تساهم من حيث لا تقصد في إنتاج أجيال أكثر قابلية للصراع، أما إذا قدمت الاختلاف باعتباره جزءًا من الطبيعة الإنسانية، وركزت على القيم المشتركة، فإنها تستطيع أن تؤسس لنمط مختلف من العلاقات يقوم على الحوار والاحترام.

وهنا يتحول “تصحيح المفاهيم” من مجرد فكرة فكرية إلى مسؤولية مجتمعية، لأن الصورة التي تتكون في ذهن الإنسان عن الآخر قد تحدد موقفه منه قبل أن يلتقي به أصلًا، وربما تكون الخلاصة الأهم التي يمكن الخروج بها من المقال أن التغيير الفكري ليس منفصلًا عن التغيير في الواقع.

فالكلمة قادرة على تكريس الخوف والكراهية، لكنها قادرة أيضًا على فتح أبواب الحوار، والفكرة التي تدعو إلى التعارف يمكن أن تقود إلى التفاهم، والتفاهم يمكن أن يصبح بداية لعلاقة أكثر استقرارًا بين الأفراد والمجتمعات. وبذلك، فإن أهمية الطرح الذي ينقله أحمد محمد الأمين عن علي الشرفاء الحمادي لا تكمن فقط في الدعوة إلى التسامح، وإنما في محاولة البحث عن الجذور الفكرية التي تجعل التسامح ممكنًا، وعن المفاهيم التي يمكن أن تمنع الاختلاف من التحول إلى صراع.

وفي عالم تتزايد فيه التوترات وتتداخل فيه الثقافات والمجتمعات بصورة غير مسبوقة، ربما يصبح السؤال الأهم ليس: كيف نلغي الاختلاف؟ وإنما: كيف نتعلم إدارة هذا الاختلاف دون أن يتحول إلى كراهية؟، وهنا تأتي قيمة تصحيح المفاهيم؛ لأنه لا يطالب الإنسان بالتخلي عن هويته أو قناعاته، وإنما يدعوه إلى إدراك أن احترام الآخر لا يعني الاتفاق معه، وأن التعايش لا يعني إلغاء الفوارق، وأن السلام الحقيقي يبدأ عندما يتعلم الإنسان أن يرى في اختلاف الآخرين فرصة للفهم، لا سببًا للعداء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);