مقالات

علاء عبدالله يكتب: معركة الوعي.. هل يمكن استعادة الصورة الحقيقية للإسلام في مواجهة التطرف؟

يطرح هذا العرض التوضيحي قضية شديدة الأهمية تتجاوز حدود الأحداث الأمنية والسياسية، لتصل إلى جوهر الصراع الفكري الذي يحيط بصورة الإسلام في العالم، فالسؤال لم يعد فقط: كيف نواجه التنظيمات المتطرفة؟ وإنما أصبح أكثر عمقًا: كيف نواجه الأفكار التي أنتجت التطرف، وكيف نستعيد المعنى الإنساني للدين بعيدًا عن محاولات توظيفه في العنف والإقصاء؟

وينطلق الطرح من رؤية المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي مؤسس مؤسسة رسالة السلام العالمية، التي تقوم على الدعوة إلى العودة للمنبع القرآني وفهم الرسالة الدينية باعتبارها طريقًا للرحمة والسلام والتعايش بين البشر، وليس وسيلة للصراع أو فرض الوصاية على الآخرين.

وتبرز أهمية هذه الرؤية في أنها تنقل المواجهة مع التطرف من ساحتها الأمنية فقط إلى ساحة أكثر عمقًا، هي ساحة الفكر والوعي، فالتنظيمات المتطرفة لا تسعى فقط إلى السيطرة على الأرض أو مواجهة مؤسسات الدول، وإنما تحاول فرض تفسير أحادي للدين، وتحويله من رسالة تقوم على القيم الإنسانية إلى أداة للإقصاء والعنف والكراهية.

ويستعرض الطرح تجربة إندونيسيا باعتبارها نموذجًا لافتًا في التعامل مع هذه الإشكالية، حيث ظهرت منذ منتصف القرن الماضي تيارات سعت إلى فرض رؤيتها بالقوة، قبل أن يتطور الفكر المتشدد لاحقًا إلى شبكات أكثر اتساعًا وتأثيرًا، خاصة مع التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الحرب الأفغانية في ثمانينيات القرن الماضي.

ومن هنا تبدو خطورة التطرف في قدرته على تجاوز الحدود الجغرافية وتحويل الأفكار المتشددة إلى مشروع عابر للدول، ومع وقوع هجمات استهدفت مدنيين ودور عبادة ومرافق عامة، لم تعد القضية مجرد خلاف سياسي أو صراع محلي وإنما أصبحت تهديدًا مباشرًا لفكرة التعايش نفسها.

فالخطاب المتطرف يحتاج إلى بيئة تقوم على الخوف والانقسام والكراهية حتى يتمكن من الانتشار، ولذلك فإن المجتمعات التي تعزز التسامح وتحترم التنوع الديني والثقافي تمثل تحديًا حقيقيًا أمام الفكر الإقصائي، وهذا يجعل حماية التعايش السلمي جزءًا أساسيًا من مواجهة التطرف، وليس مجرد قيمة أخلاقية منفصلة عن الواقع السياسي والأمني.

ويؤكد الطرح أن المواجهة الأمنية رغم ضرورتها في مواجهة الجماعات التي تستخدم العنف لا تكفي وحدها للقضاء على جذور المشكلة، فالأمن يستطيع التعامل مع السلاح والتنظيمات لكنه لا يستطيع بمفرده إزالة الأفكار التي قد تنتقل من شخص إلى آخر أو تظهر في صورة جديدة بعد انتهاء المواجهات.

وهنا تأتي أهمية المعركة الفكرية التي يركز عليها الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، من خلال التأكيد على ضرورة العودة إلى القرآن وفهم مقاصده الإنسانية، بما يعيد للدين جوهره القائم على الرحمة والعدل والسلام ويمنع المتطرفين من الاستناد إلى تأويلات منحرفة تمنح العنف غطاءً دينيًا زائفًا.

كما يعرض المحتوى نماذج مختلفة للتعامل مع ظاهرة التطرف؛ ففي مصر ارتبطت المواجهة بدرجة كبيرة بالتصدي الأمني والعسكري للجماعات المسلحة، بينما ركزت الإمارات على نشر ثقافة التسامح ومواجهة خطاب الكراهية، في حين اتجهت إندونيسيا إلى برامج تستهدف معالجة التطرف من جذوره الفكرية وإعادة تأهيل بعض المتورطين في الأفكار المتشددة.

واللافت في التجربة الإندونيسية التي يستعرضها العرض هو التركيز على الحوار داخل السجون باعتباره وسيلة لإعادة النظر في الأفكار المتطرفة، ويشير المحتوى إلى أن برنامجًا استمر عدة سنوات أسفر، وفق الأرقام الواردة فيه، عن تخلي 2750 شخصًا من أصل 3000 عن أفكارهم المتشددة وإعادة تأهيلهم.

وبغض النظر عن تقييم هذه الأرقام وضرورة التحقق من مصادرها وتفاصيل البرنامج، فإن الفكرة الأساسية التي يطرحها المثال تظل جديرة بالتوقف أمامها وهي أن مواجهة التطرف لا ينبغي أن تتوقف عند حدود العقوبة، وإنما تحتاج أيضًا إلى معالجة الأسباب الفكرية التي أنتجته وفتح المجال أمام مراجعة المفاهيم التي تم توظيفها لتبرير العنف.

وهذا يقودنا إلى نقطة محورية في القضية، وهي أن الدين في حد ذاته لا يمكن اختزاله في ممارسات جماعات تتبنى العنف، لأن الخلط بين النص الديني وبين توظيفه السياسي أو الأيديولوجي قد يؤدي إلى نتيجة خطيرة تتمثل في تحميل الأديان مسؤولية أفعال جماعات تستخدمها لتحقيق أهدافها.

ومن هذا المنطلق، تأتي الدعوة إلى استعادة الخطاب الديني الذي يركز على الإنسان وكرامته وحقه في الحياة والأمن، ويؤكد أن اختلاف العقائد والثقافات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للصراع أو الكراهية، فالسلام لا يتحقق فقط بإسكات السلاح وإنما يحتاج إلى بناء وعي قادر على رفض خطاب التحريض والإقصاء من جذوره.

ويكشف العرض كذلك أن الصراع على صورة الدين هو في جانب كبير منه صراع على وعي الإنسان؛ لأن من ينجح في السيطرة على طريقة فهم الأفراد للدين يستطيع التأثير في مواقفهم وسلوكهم، ولهذا فإن تصحيح المفاهيم يصبح أحد أهم الأسلحة في مواجهة التطرف.

وفي هذا السياق، تبدو مؤسسة رسالة السلام العالمية، وفق الرؤية التي يعرضها المحتوى، جزءًا من مشروع فكري يسعى إلى تقديم قراءة تؤكد القيم الإنسانية المشتركة بين الرسالات الإلهية، وتدعو إلى بناء علاقة تقوم على الاحترام والتعايش بدلًا من الصدام.

وفي النهاية، يضعنا هذا الطرح أمام حقيقة مهمة: الإرهاب لا يولد من فراغ، والتطرف لا يهزم فقط بالمواجهة الأمنية، وإنما يحتاج إلى معركة طويلة مع الأفكار التي تغذيه، وإذا كانت المواجهة المسلحة قادرة على الحد من قدرة التنظيمات على تنفيذ عملياتها، فإن المواجهة الفكرية هي التي تستطيع تجفيف منابع التجنيد والتأثير وإعادة بناء وعي الإنسان.

ومن هنا تصبح مسؤولية المجتمعات والمؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية أكبر في تقديم خطاب واضح يواجه التشدد بالحجة، ويرسخ قيم التسامح والرحمة والتعاون، ويؤكد أن الرسالات الإلهية جاءت لصالح الإنسان وإعمار الأرض، لا لتبرير قتله أو اضطهاده.

إن المعركة الحقيقية، كما يطرحها هذا المحتوى، ليست فقط بين دول وتنظيمات، وإنما بين فكرتين: فكرة ترى في الاختلاف سببًا للصراع، وأخرى تعتبره واقعًا إنسانيًا يمكن أن يكون أساسًا للتعارف والتعاون، وبين الفكرتين يتحدد مستقبل المجتمعات وقدرتها على حماية أبنائها من التطرف وبناء عالم أكثر أمنًا وسلامًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);