سيد الأسيوطي يكتب.. مصر بين الواجب الإنساني والعدالة الاقتصادية: من يتحمل فاتورة اللاجئين

إن مصر كانت ومازالت وسوف تظل دولة صاحبة رسالة إنسانية وحضارية، ولم تتخل يوماً عن دورها التاريخي في احتضان الأشقاء والوافدين الفارين من ويلات الحروب والصراعات والأزمات الاقتصادية. غير أن الواجب الإنساني لا ينبغي أن يكون على حساب حقوق المواطن المصري أو استقرار الدولة، في ظل التحديات الإقليمية والدولية المتزايدة.
لقد تحملت الدولة المصرية على مدار سنوات أعباء ضخمة في استضافة ملايين اللاجئين والمهاجرين والوافدين، ووفرت لهم كافة سبل الراحة والخدمات الأساسية من تعليم وصحة وبنية تحتية وفرص معيشية، وهو موقف إنساني يحظى باحترام العالم أجمع ويعكس أصالة الشعب المصري العظيم وقيمه الإنسانية.
لكن من حق المواطن المصري أن يتساءل: من يتحمل التكلفة الاقتصادية لهذه الاستضافة في ظل التحديات المعيشية وارتفاع الأسعار والضغوطات التي تواجه الموازنة العامة للدولة. وهل من العدل أن تتحمل مصر وحدها هذه الأعباء، بينما يكتفي المجتمع الدولي ببيانات الإشادة والثناء علي الدور المصري فقط.
وبعيداً عن البيانات والتصريحات والتقارير والأرقام، هناك مواطن مصري يواجه يومياً ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، وزيادة متتابعة في الإيجارات، وارتفاع تكاليف وسائل النقل، وأعباء العلاج والدواء، ومصروفات التعليم، وغيرها من متطلبات الحياة التي أصبحت تمثل ضغطاً متزايدآ على الأسرة المصرية.
ومن اجل ذلك فإن الحكومة المصرية مطالبة بالبحث عن حلول وبدائل حقيقية لتمويل هذه الأعباء الناتجة عن استضافة ملايين اللاجئين والمهاجرين الفارين من الصراعات، بدلًا من تحميلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة على المواطن البسيط من خلال زيادات متتالية في أسعار الخدمات أو الرسوم أو تكاليف المعيشة.
فالمواطن المصري الذي تحمل لسنوات طويلة أعباء اقتصادية صعبة، من حقه أن يرى سياسات أكثر عدالة تحمي قدرته على الحياة الكريمة، وتضمن له ألا يتحول الدور الإنساني والظروف الإقليمية والدولية إلى فاتورة مفتوحة يدفع ثمنها المصريون وحدهم.
فإن العدالة تقتضي أن تكون هناك شراكة دولية حقيقية لدعم الدول المستضيفة للاجئين، وفي مقدمتها مصر، سواء من خلال منح مباشرة عاجلة، وإعادة هيكلة الديون أو إسقاطها، وبرامج دعم اقتصادي تساهم في تخفيف الأعباء عن كاهل المواطن المصري الذي يتحمل جزءا كبيرا من هذه التكلفة بشكل مباشر أو غير مباشر.
وكذلك من حق مصر أن تطرح، وبكل بصراحة ووضوح ومسؤولية، ملف العودة الطوعية والآمنة والكريمة للأشقاء والأصدقاء من اللاجئين والمهاجرين الذين استقرت الأوضاع في بلدانهم وأصبح بإمكانهم العودة إلى أوطانهم، وذلك بالتنسيق مع دولهم والمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية، بما يضمن لهم حياة آمنة ومستقرة، ويحفظ في الوقت نفسه موارد الدولة المصرية وحقوق المواطن المصري.
فليس من العدل أن تظل الدول التي تستقبل المتضررين من الحروب تتحمل وحدها آثار أزمات لم تكن طرفاً في صنعها، بينما تتحمل شعوبها تكاليف إضافية في الإسكان والتعليم والصحة والنقل وغيرها من الخدمات الأساسية.
بل من الواجب علي الدول القادرة والأطراف الدولية والإقليمية والمؤسسات المعنية التي كان لها دور مباشر أو غير مباشر في نشأة أو إدارة بعض هذه الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية، أن تتحمل المسؤولية الكاملة والنصيب الاكبر في دعم الدول والمجتمعات التي تحملت نتائج تلك الأزمات، والمساهمة في إعادة الإعمار ومعالجة أسباب النزوح.
إن المواطن المصري لا يطلب رفاهية استثنائية، وإنما يطالب بحقوقه الطبيعية والمشروعة في أن يعيش حياة كريمة، وأن يحصل على خدمات جيدة بأسعار تتناسب مع دخله، وأن تكون له الأولوية في الاستفادة من موارد وطنه وثرواته.
فالمواطن المصري الذي حمل لواء الإنسانية علي مر العصور ليس في خصومة مع أي شقيق عربي أو إنسان أجنبي فر من ويلات الحرب، وإنما خصومته الحقيقية مع أن يتحول التضامن الإنساني إلى عبء دائم تتحمله الدولة المصرية ويدفع ثمنها المواطن وحده دون غيره في ظل الظروف المحيطة والتحديات المتزايدة.
إن الحفاظ على البعد الإنساني في التعامل مع قضية اللاجئين الهاربين من الازمات والصراعات واجب أخلاقي، ولكن الحفاظ على حقوق المواطن المصري وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية أمن قومي وواجب وطني وأخلاقي وديني لا يقل أهمية عن الدور الإنساني. وليس من العدل أو الطبيعي أن يتحمل المواطن المصري وحده فاتورة أزمات العالم.
فمصر لم تغلق أبوابها يوماً أمام المحتاجين، ولم تتاجر بمعاناة الشعوب، لكنها أيضاً ليست مسؤولة وحدها عن حل أزمات العالم. ومن هنا فإن الوقت قد حان لان ينتقل المجتمع الدولي من مرحلة الإشادة بالدور المصري إلى مرحلة المشاركة الفعلية في تحمل التكلفة وتخفيف الأعباء والضغوط الاجتماعية والاقتصادية، بما يحقق التوازن بين الواجب الإنساني والعدالة الاقتصادية، ويحفظ في المقام الأول حقوق المواطن المصري، ويدعم استقرار الدولة المصرية والمنطقة بأكملها.
إن مصر التي احتضنت الأشقاء في أوقات المحن، تستحق هي الأخرى أن تجد من يحتضن اقتصادها ويشاركها أعباءها، وأن يجد المواطن المصري ثمرة صبره وتضحياته في صورة حياة أكثر كرامة، وخدمات أفضل، وأسعار أكثر عدالة، ومستقبل يليق بمصر وشعبها العظيم صاحب الحضارة والتاريخ.
حفظ الله الوطن، وتحيا مصر بوحدتها دائمًا وأبدًا.






